لغز ميزانية الصحة البريطانية: أين تذهب المليارات وقوائم الانتظار لا تنتهي؟
لا يكاد يوجد ملف في السياسة البريطانية يوصف بـ«الشراهة» مثل ميزانية هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS). منذ تأسيس النظام الصحي، كان مؤسسوه على دراية بهذه المعضلة؛ إذ أقرّ وزير الصحة البريطاني الأسبق، ناي بيفان، في خطاب ألقاه أمام الكلية الملكية للتمريض عام 1948، بأن النظام لن يكون قادرًا على تلبية جميع التوقعات، قائلًا: «لن نحصل أبدًا على كل ما نحتاجه، فالتوقعات ستظل دائمًا أكبر من القدرة».
ومع أن هذا التصور رافق NHS منذ البداية، فإن الارتفاع الأخير في الإنفاق الصحي تجاوز كل الحدود السابقة. ففي عام 2019، بلغت ميزانية الصحة والرعاية الاجتماعية في بريطانيا نحو 130 مليار باوند، قبل أن يفرض وباء عالمي زيادة طارئة في الإنفاق سرعان ما تحولت إلى واقع دائم. وبحلول عام 2025، ارتفعت الميزانية إلى 205 مليارات باوند، في وقت شهدت فيه قوائم الانتظار ارتفاعًا حادًّا، وتراجع مستوى الرضا العام عن الخدمات الصحية، ما أعاد طرح التساؤل عن الوجه الحقيقي لهذه الزيادات المالية.
بريطانيا تتفوق على مجموعة السبع في نمو الإنفاق الصحي

في الغالب يُغفل كثيرون أن بريطانيا سارت في مسار مختلف عن نظرائها في الدول الصناعية الكبرى. فبين عامي 2019 و2024، ووفقًا لبيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، ارتفع الإنفاق الصحي في بريطانيا بنسبة 1.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى معدل زيادة بين دول مجموعة السبع. وفي المقابل، شهدت إيطاليا واليابان تراجعًا في الإنفاق الصحي خلال الفترة نفسها.
وحتى بعد احتساب التضخم، بلغت الزيادة الحقيقية في الإنفاق الصحي البريطاني بين عامي 2019 و2025 نحو 40 مليار باوند، أي ما يعادل 24 في المئة.
ميزانية NHS بين الرواتب والصيانة

تكشف مراجعة بنود الميزانية أن أكثر من نصف الزيادات الأخيرة وُجّهت إلى أجور العاملين في NHS، مع تخصيص الجزء الأكبر منها لزيادات الرواتب، لا لتوظيف أعداد كبيرة من الكوادر الجديدة. وتشير بيانات الهيئة إلى أن عدد الموظفين بدوام كامل ارتفع بنحو 20 في المئة بين عامي 2020 و2025، في حين زادت الأجور الفردية بما يعادل 29 في المئة.
وفي المقابل، شهد الإنفاق الرأسمالي -المخصص للبنية التحتية والمعدات- قفزة ملحوظة، إذ ارتفع بنحو 53 في المئة بالقيمة الحقيقية، أي ما يعادل 4 مليارات باوند إضافية. ووفق خطط حزب العمال، من المتوقع أن يصل هذا الإنفاق إلى 14 مليار باوند بحلول عام 2027.
غير أن هذه الزيادة لا تُترجم بالضرورة إلى بناء مستشفيات جديدة، إذ يُستنزف جزء كبير منها في معالجة تراكم الصيانة المؤجلة، التي بلغت قيمتها 15.9 مليار باوند، منها 3.5 مليارات باوند لإصلاح مرافق يُحذّر من أن تعطلها قد يؤدي إلى «إخفاق كارثي في الخدمات».
إلى جانب ذلك، باتت NHS تموّل مجالات أوسع من الرعاية الصحية. فرغم أن الجزء الأكبر من الإنفاق لا يزال يتركز على المستشفيات العامة، فقد ارتفع الإنفاق الحقيقي على خدمات الرعاية المجتمعية والصحة النفسية بمقدار الثلث، أي نحو 6.5 مليارات باوند، خلال الفترة الممتدة بين عامي 2019 و2024.
زيادة الإجراءات لا تعني تقليص قوائم الانتظار

ورغم هذا التوسع في الإنفاق، تظل مفارقة الإنتاج أحد أكثر الجوانب إثارة للتساؤل. فرغم التمويل الإضافي الكبير، تتجاوز قوائم الانتظار في بريطانيا 7 ملايين شخص.
وعند النظر إلى النشاط الفعلي داخل NHS، تبدو المؤشرات الأولية إيجابية؛ إذ ارتفع حجم النشاط الاختياري -المتمثل في المواعيد والإجراءات الخاصة بالمرضى المدرجين على قوائم الانتظار- بنسبة 20 في المئة بحلول عام 2025 مقارنة بفترة ما قبل الوباء، حتى بعد احتساب تعقيد الإجراءات الطبية.
غير أن هذه الزيادة لم تنعكس بطريقة متناسبة على عدد المرضى الذين غادروا قوائم الانتظار، فقد ارتفع عدد «المسارات المكتملة» بنسبة لا تتجاوز 5 في المئة فقط مقارنة بما قبل الوباء. والأكثر دلالة أن معهد الدراسات المالية (IFS) لم يجد علاقة واضحة بين زيادة إنتاج المستشفيات الفردية وتحسن قوائم الانتظار، ما يشير إلى أن ارتفاع وتيرة العمل لا يعني بالضرورة تحقيق نتائج أفضل.
ويقدّم ماكس وورنر، الباحث في معهد الدراسات المالية، تفسيرين محتملين لهذا الخلل. الأول: أن المرضى باتوا يتلقون رعاية أكثر تفصيلًا وتستغرق وقتًا أطول مقارنة بالسنوات السابقة. أما التفسير الثاني، فيتمثل في أن التمويل المخصص عبر «صندوق التعافي من العمليات الاختيارية» ارتبط بحجم النشاط العام، لا بعدد الحالات التي أُنجزت بالكامل، ما قد يوفر حوافز مالية تُشجّع على كثافة العمل أكثر من تقليص قوائم الانتظار.
ومع أن الأدلة لا تزال غير حاسمة، تظل معالجة هذه المعضلة أولوية ملحّة؛ إذ تشير التقديرات إلى أنه لو استجابت قوائم الانتظار لزيادة عدد الإجراءات كما حدث في عام 2019، لكانت اليوم أقصر بنحو مليوني شخص.
نصف الإنفاق الحكومي يذهب إلى الرعاية الصحية

في الغالب تُقاس أي زيادة جديدة في تمويل NHS بمعيار تاريخي يعود إلى عام 1955، حين كان الإنفاق الصحي يرتفع بمتوسط 3.4 في المئة سنويًّا بالقيمة الحقيقية. غير أن الاقتصاد البريطاني لم يعد ينمو بالوتيرة نفسها التي سادت معظم تلك العقود.
في فترات سابقة، ولا سيما خلال حكومات حزب العمال، أمكن رفع ميزانيات NHS بنسبة 5.9 في المئة سنويًّا، مستفيدين من نمو اقتصادي قوي مدفوع بعائدات نفط بحر الشمال وازدهار قطاع الخدمات المالية.
أما اليوم، فإن هذا الهامش بات أضيق بكثير. وبحلول عام 2029، يُتوقع أن تستهلك NHS ما يقارب نصف الإنفاق اليومي الخاضع لسيطرة وستمنستر، في مؤشر على تحوّل بريطانيا تدريجيًّا إلى ما يشبه «دولة صحة وطنية»، تعوّض بشكل متزايد عن نقص التمويل في مجالات أخرى مثل الحماية الاجتماعية والتعليم والوقاية، وهي مجالات قد يكون للاستثمار فيها أثر أعمق على صحة المجتمع على المدى البعيد.
ارتفاع الإنفاق الكبير على NHS يعكس حرص الحكومة على دعم الرعاية الصحية، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة تحسنًا ملموسًا في الخدمات. من المهم إعادة النظر في توزيع الميزانية بحيث يوازن بين زيادة الرواتب وتحسين البنية التحتية، ومعالجة تراكم الصيانة، وزيادة الكوادر، مع التركيز على تقليص قوائم الانتظار وتوسيع خدمات الرعاية المجتمعية والصحة النفسية. كما أن ربط التمويل بالنتائج الملموسة للمرضى يمكن أن يساعد على تحقيق أثر أوسع وأكثر استدامة.
المصدر : The Times
إقرأ أيضًا :
الرابط المختصر هنا ⬇
