“لا يمكنك أن تشعر بالأمان أبداً”.. كيف عاش السودانيون يومًا من الرعب في بلفاست؟
عاش أفراد من الجالية السودانية في بلفاست يوماً شديداً من الرعب والتوتر الميداني؛ إذ كان مالك صالون الحلاقة السوداني يقف خلف آلة تسجيل النقد (الكاشير) مبتسماً عند سماعه سؤال: “هل تشعر بالأمان في المدينة؟”.
وفي تلك اللحظة بالذات، توقف رجلان كانا يسيران في الشارع عند عتبة باب صالونه المفتوح، وأطلقا صرخة عواء مفاجئة ومروعة، وانتهى هذا المشهد المرعب بفجائية مماثلة للطريقة التي بدأ بها، ودون أن ينبسا ببنت شفة، استأنف الرجلان -وهما من ذوي البشرة البيضاء، في العشرينيات من عمريهما، ويرتديان بذلات رياضية رمادية- سيرهما في الشارع.
ولم يعلق طاقم صالون الحلاقة، الذين ينحدرون جميعاً من منطقة جنوب الصحراء الكبرى في إفريقيا، على ما حدث، أما صاحب الصالون فقد استمر في ابتسامته، معتبراً أن السؤال في حد ذاته يبدو مثيراً للسخرية، وعلق قائلاً: “الأمان؟! لا يمكنك أبداً أن تشعر بالأمان هنا، لكنني على أقل تقدير أستطيع الإغلاق مبكراً الليلة”.
استنفار يمين متطرف وحظر تجوال ذاتي في أحياء بلفاست

وكان ذلك بعد ظهر يوم الثلاثاء، وسط مخاوف متزايدة من احتمال اندلاع عشرات الاحتجاجات المناهضة للمهاجرين في جميع أنحاء أيرلندا الشمالية، وذلك بعد اعتقال طالب لجوء سوداني؛ للاشتباه في ارتكابه جريمة الشروع في القتل، وقد وُجهت إليه التهمة رسمياً، ومن المقرر أن يمثل أمام المحكمة يوم الأربعاء.
وجرى تداول لقطات الهجوم، الذي وقع مساء الإثنين الماضي، على وسائل التواصل الاجتماعي، ليتحول سريعاً إلى دعوة لحشد الصفوف أطلقها اليميني المتطرف تومي روبنسون، وإيلون ماسك، وغيرهما من المحرضين المنتمين لتيار اليمين المتطرف.
وبحلول الساعة الرابعة من عصر يوم الثلاثاء، كانت جميع المتاجر المملوكة لأجانب في شارع “ساندي رو” بوسط عاصمة أيرلندا الشمالية بلفاست قد أنزلت سواترها الحديدية بالكامل، وأسرع الموظفون بالتوجه إلى منازلهم للاحتماء داخلها طوال الليل، وهو مشهد تكرر بحذافيره في أجزاء أخرى متفرقة من المدينة.
تحذيرات متبادلة وذكريات ليلة الهجوم على “محمد”

وكان من المقرر أن تبدأ الاحتجاجات في تمام الساعة السابعة مساءً، ومن واقع خبرتهم السابقة، كان أصحاب المتاجر وعمالهم يدركون جيداً أن الأوضاع قابلة للانفجار في أي لحظة.
وقال محمد محمود (39 عاماً)، وهو موظف سوداني في أحد متاجر البقالة: “لقد كنا نتبادل الرسائل والتحذيرات ذاتها طوال اليوم: عد إلى منزلك مبكراً، ابقَ في الداخل، ولا تخرج أبداً.. لا أحد يدري ما الذي سيحدث تالياً”.
وكان هاتف “محمود” قد بدأ بالاهتزاز دون توقف لتلقي تنبيهات ورسائل من أصدقائه منذ الساعة الثانية من صباح يوم الثلاثاء، بالتزامن مع انتشار الفيديو البشع على منصات التواصل الاجتماعي، ومعه وعود وتهديدات من معلقين باتخاذ إجراءات انتقامية ضد المهاجرين. وأوضح محمود أن السنوات الخمس التي قضاها في أيرلندا الشمالية علمته الحذر الشديد، مضيفاً: “بعض الناس غاضبون طوال الوقت، ولكن ليس الجميع كذلك، فهناك أشخاص لطيفون للغاية هنا”.
من جانبه أكد علي أدان (38 عاماً)، وهو صاحب متجر آخر من أصول سودانية يعيش في المنطقة منذ 18 عاماً، أن العلاقات العرقية شهدت تدهوراً ملحوظاً منذ عام 2018، إذ باتت التوترات العنصرية في إنجلترا تنتقل مباشرة إلى أيرلندا الشمالية وبالعكس، معلقاً بحسرة: “بمجرد وقوع أي حادث، يوجه الجميع أصابع الاتهام مباشرة إلى كل مهاجر يعيش هنا”.
يُذكر أن تجمع المتاجر المملوكة للأقليات العرقية حول منطقة “ساندي رو” -التي تُصنف تاريخياً منطقة موالية للوحدويين- كان قد شهد عدة أيام من أعمال الشغب العنيفة في أغسطس 2024، عندما عمدت حشود من الغوغاء إلى تحطيم الممتلكات ونهبها وإحراقها في أعقاب حوادث الطعن الشهيرة في “ساوثبورت”، بل إن بعضهم استهدف صاحب متجر بعينه، وظلوا يصرخون بعنف: “أين محمد؟”.
وفي وقت لاحق لتلك الأحداث، بدأت مجموعات من الأمن الذاتي (الفوجيلانتي) بتسيير “دوريات” في الشوارع، وتوقيف الذكور من ذوي البشرة الداكنة؛ لإجبارهم على إبراز بطاقات هُويتهم وتقديم مبررات لوجودهم في مدينة بلفاست.
مخاوف أمنية وإلغاء الصلوات في مركز بلفاست الإسلامي

وأبلغت قوات الشرطة أصحاب الأعمال والشركات يوم الثلاثاء أن الساعات الأربع والعشرين القادمة ستكون حاسمة وجوهرية في تحديد ما إذا كان المواطنون سيستجيبون لدعوات رئيس الوزراء كير ستارمر وغيره من السياسيين البارزين للحفاظ على الهدوء وترك التحقيقات تأخذ مجراها القانوني، أم أنهم سينزلون إلى الشوارع لتنفيذ أعمال انتقامية خارج نطاق القانون.
وبدا صاحب صالون الحلاقة، الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه، متماسكاً وواقعياً للغاية وهو يقول: “من يدري ما الذي سيحدث؟ إذا مرت هذه ليلة على خير، فقد أفتح أبواب الصالون في الصباح، وإلا فلن أفتح”.
وفي سياق متصل، أعلن مركز بلفاست الإسلامي عن عدم إقامة صلاة العشاء، وحث جموع المصلين على التزام الهدوء التام، والبقاء في منازلهم، وتجاهل الشائعات المنتشرة، والاستماع فقط إلى النصائح والإرشادات الرسمية الصادرة عن السلطات. وصرح أمير إبراهيم، مدير المشاريع في المركز، متحدثاً بصفته الشخصية: “هذا تحدٍ كبير للغاية؛ نحن نفكر في سلامة الجميع، ولكننا لا نريد إثارة الذعر والهلع في صفوف الجالية. هذا وقت الهدوء، ونريد أن نتطلع إلى تحقيق الأفضل”.
يُذكر أنه بعد فترة انقطاع دامت أربع سنوات، عقدت جمعية الجالية السودانية في أيرلندا الشمالية اجتماعاً السبت الماضي، وانتخبت لجنة تنفيذية جديدة، وتواجه هذه اللجنة الآن ما يمكن وصفه بـ”معمودية النار” أو الاختبار العصيب الأول. وقال ممثل عن الجمعية في مقابلة هاتفية: “نحن نرفض العنف جملة وتفصيلاً من أي جماعة كانت. نحن ننشد السلام، ونعتبر أنفسنا جزءاً أصيلاً لا يتجزأ من المجتمع في أيرلندا الشمالية”.
المصدر:الجارديان
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇