تواجه هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) انتقادات قانونية ومهنية متصاعدة بعد عرض أدلة أمام محكمة بريطانية تفيد بأنها قدّمت تغطية مضللة خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. وتأتي هذه التطورات في سياق دعوى رفعها صحفيون من أصول عربية يتهمون المؤسسة بالتمييز المهني وبتقييد العمل التحريري داخل خدمتها العربية.
دعوى أمام محكمة العمل تتهم المؤسسة بالتمييز والفصل التعسفي
نُوقشت الاتهامات ضمن وثائق قُدمت إلى محكمة بريطانية مختصة بقضايا العمل، في إطار دعوى رفعها خمسة صحفيين من أصول عربية ضد هيئة الإذاعة البريطانية (BBC). ويقول الصحفيون إن أربعة منهم تعرضوا للفصل التعسفي بعد رفضهم ما وصفوه بممارسات تمييزية داخل خدمة «بي بي سي العربية» (BBC Arabic) التابعة لهيئة الخدمة العالمية.
ويضم المدعون أحمد روابة من أصول جزائرية، وديمة عودة من أصول سورية، وناهد نجار من أصول فلسطينية، إضافة إلى محمد العشيري وعامر سلطان من أصول مصرية. ويمثلهم قانونياً المحامي جون بارنز من مكتب «ألبرتسون سوليسيترز» (Albertson Solicitors). وتعد هذه الدعوى الأولى من نوعها التي يرفعها هذا العدد من صحفيي الخدمة العربية ضد المؤسسة الإعلامية العريقة.
شهادات تتحدث عن «تضليل الجمهور» في التغطية الإخبارية
عامر سلطان.
اتهم الصحفي المخضرم عامر سلطان إدارة المؤسسة بالفصل غير العادل، مشيراً إلى أن ذلك جاء جزئياً بسبب اعتراضه على ما وصفه بـ«انتهاكات خطيرة» لإرشادات التحرير في الأسابيع الأولى من العدوان الإسرائيلي على غزة الذي بدأ في السابع من تشرين أول/أكتوبر 2023.
وخلال جلسة استماع حديثة، كُشف أن سلطان، الذي عمل 17 عاماً في الموقع الإلكتروني والتلفزيون التابعين للخدمة العربية، أبلغ إدارة هيئة الخدمة العالمية بعدة أمثلة على تجاوزات مهنية رصدها في التغطية الإخبارية.
وبحسَب وثائق القضية، عقدت ليليان لاندور، المديرة السابقة لهيئة الخدمة العالمية، ما وُصف بجلسات «استماع» لفهم أسباب الأخطاء التي وقعت في بداية التغطية. وقد أثارت تلك الأخطاء انتقادات واسعة داخل أوساط الصحفيين وفي الدوائر السياسية والإعلامية في بريطانيا والشرق الأوسط.
قيود تحريرية مرتبطة بالتغطية داخل الأراضي المحتلة
ذكر سلطان في شهادته أن أحد محرري الموقع أبلغ عدداً من كبار الصحفيين، عبر بريد إلكتروني رسمي، بوجود «قيود قانونية وتحريرية» أثرت في عمل فريق BBC Arabic داخل إسرائيل. وأوضح أن هذه القيود حالت دون تغطية واقعة اعتداء شرطة الاحتلال المسلحة على طاقم تلفزيوني تابع للخدمة العربية في الثالث عشر من تشرين أول/أكتوبر، أي بعد ستة أيام فقط من اندلاع الحرب.
وأشار إلى أن لاندور أبدت انزعاجها مما استمعت إليه خلال جلسات الاستماع، قائلة إن المؤسسة «ضللت الجمهور»، فيما وعدت بفتح تحقيق داخلي. غير أن سلطان أكد أنه لم يُبلّغ بنتائج أي تحقيق حتى مغادرته العمل في مطلع تشرين أول/أكتوبر 2024، كما لم يتضح ما إذا كان التحقيق قد أُجري فعلاً. وكانت لاندور قد استقالت بعد نحو ستة أشهر من تلك الجلسات.
اعتراضات على تبني روايات غير موثقة حول أحداث السابع من تشرين أول/أكتوبر
استعرض سلطان مثالاً آخر يتعلق بتداول روايات إسرائيلية تحدثت عن «قطع رؤوس أطفال واغتصاب نساء» خلال عملية «طوفان الأقصى». وقال إنه اقترح إعداد مادة تحليلية زمنية توثق مجريات الأحداث وتفكك الروايات المضللة استناداً إلى معلومات موثقة، بما يتيح للجمهور تكوين رأي مستقل، إلا أن محرري الموقع رفضوا المقترح.
ولم تنفِ ممثلة الدفاع عن المؤسسة مضمون أقواله، لكنها شككت في اعتبار تلك الشكاوى «بلاغاً رسمياً عن مخالفات»، معتبرة أن ما حدث لا يرقى إلى خرق للالتزامات القانونية للمؤسسة. ورد سلطان بأن تضليل الجمهور يُعد انتهاكاً واضحاً لهذه الالتزامات، لا سيما أن المؤسسة ممولة من أموال دافعي الضرائب في بريطانيا، مؤكداً أن القضية تمس «المصلحة العامة».
مطالب بالكشف عن وثائق داخلية وسط استمرار الجدل
اتهام بي بي سي بالتحيز ضد الرواية الفلسطينية.
طالب الصحفي المصري إدارة الهيئة مراراً بالكشف عن سجلات جلسات الاستماع التي عُقدت لمراجعة التغطية، حتى يتسنى للمحكمة والرأي العام الاطلاع على ما جرى فعلياً داخل المؤسسة. غير أن ممثلة الدفاع لم تقدم رداً على هذه المطالب حتى الآن.
وتسلط القضية الضوء على نقاش أوسع بشأن التغطية الإعلامية الغربية للعدوان الإسرائيلي على غزة، ومدى التزام المؤسسات الكبرى بالمعايير المهنية في ظل الضغوط السياسية والروايات المتصارعة حول الحرب.