العرب في بريطانيا | فيلم I’m Still Here… حين يُذكّرنا الفن أن الاست...

فيلم I’m Still Here… حين يُذكّرنا الفن أن الاستبداد إلى زوال مهما طال عمره

مقالArtboard-2-copy-4_2
عدنان حميدان August 21, 2025
شارك

حين جلست لمشاهدة الفيلم البرازيلي (I’m Still Here) للمخرج والتر ساليس، لم أكن أمام عمل درامي عابر، بل أمام مرآة تعكس حاضرًا مألوفًا لنا نحن العرب، حتى وإن جرت أحداثه في ريو دي جانيرو إبّان حقبة النظام العسكري بين عامي 1965 و1985. يعيد الفيلم إلى الواجهة قصة النائب اليساري روبنز بايفا، الذي اختطفته أجهزة المخابرات عام 1971، ليختفي مصيره في دهاليز القمع، تاركًا وراءه زوجة صابرة وأطفالًا يتجرعون مرارة فقدان الأب. وما أشدّ قسوة أن يُحرم الصغار من والدهم، لا لذنب اقترفه، بل لأنه رفض الخضوع للظالمين وأبى أن يسود الاستبداد في بلاده.

أداء الممثلة البرازيلية فرناندا توريس في تجسيد شخصية الزوجة يونيس كان شديد الصدق، حتى بدا وكأنها تنقل نبض المعاناة من قلب الحقيقة لا من خشبة التمثيل. ومع ظهور والدتها، فرناندا مونتينيغرو، المرشحة سابقًا لجائزة الأوسكار، في مشاهد مؤثرة بدور يونيس في شيخوختها، اكتسب الفيلم بعدًا إنسانيًا أعمق، يربط بين الماضي والحاضر، ويُرسّخ صورة الصمود في الذاكرة الجمعية.

هذا العمل، الفائز بجائزة أفضل سيناريو في مهرجان البندقية السينمائي والذي جذب ملايين المشاهدين في دور العرض البرازيلية، لا يقتصر على إعادة بناء وقائع تاريخية مؤلمة؛ بل هو رسالة للحاضر، كما شدّد مخرجه، في زمن تتعالى فيه أصوات اليمين المتطرف وتتصاعد محاولات محو الذاكرة. فالقمع لم يُدفن مع حقبة العسكر، بل يحاول أن يتجدد في صور مختلفة، غير أن الفيلم يذكّرنا بأن أشكال المقاومة الصبورة قادرة على إفشاله مهما طال الزمن.

ورغم أن أحداثه تدور في بلد بعيد جغرافيًا عن منطقتنا العربية، إلا أن دلالاته تكاد تتطابق مع واقعنا. فكم من أبٍ صالحٍ ومحبٍ دفع حياته ثمنًا لموقفه الرافض للاستبداد؟ وكم من عائلة عربية عاشت مأساة مشابهة، حيث تحوّل غياب الأب من حادثة فردية إلى جزء من سردية أمة بأكملها؟ من هنا، فإن الفيلم لا يخاطب البرازيليين وحدهم، بل كل إنسان خبر معنى أن يُسلب الوطن حريته ويُقتل الحلم في مهده.

والرسالة الأعمق التي يحملها الفيلم هي أن الطغاة مهما تجبّروا فإن نهايتهم إلى زوال، وأن الشعوب التي تدفع ثمن حريتها صبرًا وتضحية هي التي تكتب التاريخ. فلو أفلت بعض المستبدين من حساب الدنيا، فلن يفلتوا من عدالة السماء، وإن بدت قوتهم راسخة، فهي إلى سقوط حتمي لا محالة.

بالنسبة لنا كأمة، فإن متابعة مثل هذه الأعمال ليست ترفًا ثقافيًا، بل فرصة للتأمل واستخلاص العبر. فنحن نعيش في مجتمعات تقدّر الفنون والسينما بوصفها جزءًا من الذاكرة الجمعية وأداة للتعبير عن القيم، ومن المهم أن ننقل هذه التجارب إلى أبنائنا كي نحفظ من خلالها ذاكرتنا نحن أيضًا. فالفيلم الذي يروي مأساة عائلة برازيلية يمكن أن يكون مرآة لقصص عائلات فلسطينية أو سورية أو مصرية وغيرها، عائلات قاومت القمع وبقيت متشبثة بالأمل. وبهذا تصبح السينما أداة تضامن عابرة للحدود، تذكّرنا أن الظلم إلى زوال مهما طال، وأن الإنسان، أينما كان، لا يُهزم ما دام يحمل في قلبه شعلة الحرية.

 


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 6 May 2026
أشكركم من أعماق قلبي.. رغم خبرة دامت أكثر من 11 عامًا، صاحب مطاعم شاورما بريطاني يعود بـ "سر الصنعة" من الأردن، ويوجه رسالة شكر مؤثرة لشعبه بعد رحلة غيرت نظرته لمهنته، وتفاجأ فيها من كرمهم وحسن استقبالهم. #شاهد #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 6 May 2026
من أجل كل أسير، كل عائلة، وكل مستقبل مُصادَر.. دعت حملة "الأشرطة الحمراء" إلى المشاركة في حملة إلكترونية عالمية يوم السبت 9 مايو 2026 عند الساعة 6:00 مساءً (بالتوقيت المحلي)، للمطالبة بوقف قانون الإعدام الجائر بحق الأسرى الفلسطينيين في سجون…
𝕏 @alarabinuk · 6 May 2026
"أطلقتم سراحه رغم علمكم بمرضه… والآن تتذرعون بمظاهرات فلسطين" المؤثر البريطاني كريس كونزلر يهاجم حكومة بلاده، متهمًا إياها باستغلال جريمة "جولدرز جرين" بذريعة حماية المجتمع اليهودي، لقمع التضامن مع غزة. #شاهد #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 6 May 2026
صوتك يرسم المستقبل.. بريطانيا تختار. مع انطلاق الانتخابات المحلية في بريطانيا 2026، نضعكم في قلب الحدث. تغطية مباشرة على مدار يومين لنقرأ معًا خارطة التغيير وتأثير الصوت العربي. بمشاركة: * رئيس منصة العرب في بريطانيا: عدنان حميدان *رئيس الجمعية السورية…
عرض المزيد على X ←