العرب في بريطانيا | فاتورة مغادرة المهاجرين: هل تدفع بريطانيا ثمن ع...

فاتورة مغادرة المهاجرين: هل تدفع بريطانيا ثمن عنادها السياسي؟

مقالFHD-copy (1)
صلاح عبدالله يناير 11, 2026
شارك

لم تكن السيادة يومًا مجرد شعار يرفع في الميادين، لكنها في بريطانيا تحولت إلى فخ نصب بعناية. لسنوات طويلة، ضجت المنابر البريطانية بخطاب صاخب يصور المهاجر كـ “حصان طروادة” الذي يهدد الهوية ويستنزف موارد الدولة.

عزفت الحكومات المتلاحقة على أوتار القلق الشعبي، واعدةً بـ “استعادة السيطرة” وتطهير الأراضي البريطانية من أعباء القادمين من وراء البحار.

لكن، وكما يقولون: “تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن”، تجد بريطانيا نفسها اليوم أمام مفارقة تراجيدية؛ فالدولة التي شحذت سكاكينها لتقليص أرقام الهجرة، قد تضطر قريبًا إلى الوقوف على أعتاب المطارات، لا لتفتيش الحقائب، بل للتوسل إلى أصحابها كي لا يرحلوا.

الأرقام في داونينغ ستريت لا تجيد المجاملة، وهي اليوم تنطق بمرارة. فبعد أن كان صافي الهجرة يتدفق كالنهر في مارس 2023 متجاوزًا عتبة الـ 900 ألف، هبطت الأرقام في يونيو 2025 إلى مستويات تنذر بالخطر. والتوقعات الأكثر قتامة تشير إلى “الصفر” أو حتى الأرقام السالبة بنهاية العام.

سياسيًا، قد يبتسم رئيس الوزراء أمام الكاميرات مدعيًا النصر على أزمة الهجرة، لكن خلف الأبواب المغلقة في وزارة الخزانة، يسود صمتٌ جنائزي. فالمهاجر الذي كان يُرسم كـ “عبء” هو في الحقيقة ترس حيوي في ماكينة الضرائب والنمو.

تحذيرات مكتب مسؤولية الميزانية (OBR) ليست مجرد تكهنات أكاديمية، بل هي جرس إنذار لزلزال مالي.

إن عجزًا قدره 200 ألف مهاجر في الميزان السكاني يترجم فورًا إلى ثقب أسود “بقيمة 20 مليار باوند” في خزينة الدولة.

هذا الرقم ليس مجرد حبر على ورق؛ بل هو الفرق بين استقرار الخدمات العامة أو انهيارها، وبين تخفيف الضرائب أو سحق الطبقة الوسطى بجبايات جديدة لتعويض النقص.

لقد وقعت وزيرة الخزانة رايتشل ريفز في “مَصيدة الأرقام”؛ فغياب المهاجرين الذين يدفعون الضرائب ويشغلون الوظائف الشاقة، سيعني حتمًا أن المواطن البريطاني هو من سيدفع الفاتورة من جيبه الخاص، ثمنًا لانتصار شعارات اليمين المتطرف “الذي لا يفقه أنصاره شيئا سوى الكراهية”.

رحيل العقول والأيدي.. الهجرة العكسية

الأخطر في المشهد البريطاني ليس “منع القادمين”، بل “هروب المستقرين”.

السياسات المتشددة التي انتهجتها وزيرة الداخلية شبانا محمود، وتكاليف المعيشة التي بلغت عنان السماء، جعلت من بريطانيا طاردة للكفاءات. فالمهاجر الماهر، الذي كان يرى في لندن “مدينة الأحلام”، بات ينظر إليها اليوم كمنفى مكلف لا يقدم ضمانات للاستقرار.

لقد غطت الهجرة لعقود على عيوب هيكلية في جسد الاقتصاد البريطاني؛ من ترهل قطاع الرعاية الصحية إلى شيخوخة اليد العاملة. والآن، مع انحسار هذا المد، يجد الاقتصاد نفسه عاريًا أمام الحقيقة: لا توجد خطط بديلة لتدريب العمالة الوطنية، ولا توجد حلول سحرية لرفع الإنتاجية في مجتمع يشيخ بسرعة.

إن بريطانيا اليوم تعيش صراعًا بين غرور السياسة وضرورات البقاء. لقد أثبت الواقع أن خطاب الطرد أسهل بكثير من إدارة بلد بلا دماء جديدة. وحين تفرغ المستشفيات من ممرضيها، وتتوقف ورش البناء عن العمل، وتجف منابع الضريبة، ستدرك حكومة بريطانيا “ربما بعد فوات الأوان” أن المهاجر الذي حاربته بالأمس، هو نفسه طوق النجاة الذي ستبحث عنه غدًا. فالتاريخ لا يرحم، والدول لا تبني جدرانها من الأوهام، والاقتصاد لا يعترف بالخطابات الرنانة، بل بالبشر هم الذين يصنعون الثروة.

فهل تتحول “بريطانيا العظمى” من دولة تحارب المهاجرين إلى دولة تستجدي بقاءهم؟ الأيام وحدها كفيلة بكشف ملامح الانكسار.

اترك تعليقا

التعليقات

  1. مقال ممتاز بيلخص المشكلة لما تتحول الهجرة لمجرد أرقام في الانتخابات، بننسى إنها محرك أساسي للسوق. بريطانيا اليوم محتاجة توازن بين السياسة والواقع الاقتصادي قبل ما تزيد الضغوط على الكل.

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 13 أغسطس 2026
"حدث كبير جدًا في بريطانيا اليوم والناس ماشيين بحياتهم عادي، ولا كأنّه في شي.." عدنان حميدان يكشف مدى بساطة فرحة الطلاب بظهور نتائج امتحانات A-Levels في بريطانيا دون تهويل، مقارنةً بالازدحامات وضجيج الألعاب النارية التي ترافق إعلان نتائج الثانوية العامة…
𝕏 @alarabinuk · 13 أغسطس 2026
كشف تقرير للبرلمان البريطاني أبرز العمليات العسكرية والقواعد والمنشآت التي تعتمد عليها القوات المسلحة البريطانية في الشرق الأوسط، إلى جانب طبيعة انتشار القوات وأعداد أفرادها في المنطقة. وأوضح التقرير أن هذه المعلومات لا تشمل جميع القوات البريطانية الموجودة في الشرق…
𝕏 @alarabinuk · 13 أغسطس 2026
"أحدُ الأشخاص القلائل الذين ساعدوني ماديًا.. كان رجلًا مسلمًا أسمر البشرة" المواطن البريطاني كيرون لوفتوس يدافع عن المسلمين ويشكرهم، بعد موقفٍ إنساني لم ينْسَهُ لرجلٍ مسلم ساندهُ ووقف بجانبه في أصعب ظروفه المالية. #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 13 أغسطس 2026
قصصُ نجاحٍ تُكتب بأيدٍ عربية في بريطانيا..🎓 يسرّنا في منصة "العرب في بريطانيا" أن نحتفي بنخبةٍ من طلابنا العرب الذين تألقوا في امتحانات A-Level، وحجزوا مقاعدهم في كُبرى التخصصات الجامعية. فخورون بكم وبكل ما حققتموه.. شاركونا تخصصات وقبولات أبنائكم وبناتكم…
عرض المزيد على X ←