تحليل: عصر التراجعات الكبرى.. لماذا يعود ستارمر إلى الأسئلة القديمة؟
قبل أسابيع فقط، كان كير ستارمر يتحدث عن إعادة تسليح بريطانيا في عالم يزداد اضطرابًا.
واليوم، يتراجع عن أهداف السيارات الكهربائية التي كانت حتى وقت قريب جزءًا من أكثر مشاريع حكومته طموحًا لخفض التلوث والتحول نحو اقتصاديات صديقة للبيئة. لكن لا تبدو البيئة اليوم هي أزمة الناخبين الغاضبين، بل الاقتصاد.
وقبل أن تهدأ أزمة الإنفاق على التسليح التي أدت إلى استقالة وزير دفاعه جون هيلي وزادت من متاعب حكومته، عادت الهجرة لتفرض نفسها على النقاش العام من جديد، وسط مطالب متزايدة بتشديد الحدود وتسريع ترحيل طالبي اللجوء المرفوضين ورفض المزيد من القادمين الجدد.
في الظاهر، تبدو هذه ملفات لا رابط بينها.
لكن ما يجمعها ربما يكون أكثر أهمية من تفاصيلها.
فرئيس الوزراء الذي جاء واعدًا بقيادة بريطانيا نحو المستقبل، يجد نفسه مضطرًا، خطوة بعد أخرى، إلى العودة نحو أسئلة الواقع.
الأمن.
والحدود.
وتكاليف المعيشة.
وكيفية البقاء السياسي.
وربما لا تكون هذه أزمة ستارمر وحده، بل علامة على دخول بريطانيا عصر التراجعات الكبرى.
حين تتصادم الأولويات
من السهل النظر إلى ما يحدث بوصفه دليلًا على ضعف سياسي أو تخبط حكومي. لكن المشكلة قد تكون أعمق من ذلك.
فالديمقراطيات الغربية أصبحت تعد ناخبيها بأهداف يصعب تحقيقها جميعًا في الوقت نفسه.
بريطانيا تريد جيشًا أقوى في عالم أكثر خطورة، لكنها لا تريد ضرائب أعلى.
وتريد تسريع التحول الأخضر، لكنها لا تريد أن يدفع المستهلك والشركات كلفة إضافية تثقل كاهلهم. فمتوسط سعر السيارة الكهربائية ما يزال أعلى بنحو 30–40% من نظيرتها التقليدية، وهو فارق يصعب تجاهله بالنسبة لناخب يراقب كل باوند يخرج من جيبه.
وتريد الحكومة حدودًا أكثر صرامة، لكنها لا تستطيع تجاهل احتياجات اقتصاد يعتمد، في قطاعات واسعة، على العمالة الوافدة. ففي هيئة الخدمة الصحية الوطنية (NHS)، يشكّل الأجانب نحو 21% من القوى العاملة، الأمر الذي يجعل أي تشدد واسع في سياسات الهجرة أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه الشعارات السياسية.
وتريد الحفاظ على دولة الرفاه، دون تقليص الإنفاق أو المساس بالخدمات العامة، في وقت يواجه فيه القطاع الصحي وحده فجوة تمويل تُقدّر بنحو 3 مليارات باوند.
كل واحدة من هذه الرغبات تبدو معقولة في حد ذاتها.
لكن جمعها جميعًا أصبح أصعب من أي وقت مضى.
ولهذا لا يبدو ما يفعله ستارمر مجرد سلسلة من التراجعات التكتيكية، بقدر ما يبدو تعبيرًا عن مأزق أوسع: حين يصبح الحفاظ على كل الأولويات مستحيلًا، يتحول الحكم إلى عملية مفاضلة مؤلمة بين أولويات متنافسة.
فالبرامج التي تُصاغ حالمة داخل صفوف المعارضة، كثيرًا ما تعيد قسوة الواقع تشكيلها عندما تصل إلى الحكم.
أول الحتميات التي سقطت
ربما لا يوجد مثال أوضح من ملف السيارات الكهربائية. فقد تراجع كير ستارمر عن هدفه الذي كان يقضي بأن تكون 80% من مبيعات السيارات الجديدة كهربائية بحلول عام 2030، ليُخفض هذا الهدف إلى 50% فقط.
فحتى وقت قريب، كانت أهداف التحول الأخضر تُقدَّم باعتبارها ضرورة تاريخية لا رجعة فيها، وجزءًا من مسار حتمي نحو اقتصاد أكثر استدامة.
لكن مع تباطؤ الطلب، وارتفاع الأسعار، وتصاعد القلق من كلفة التحول على المستهلكين وشركات السيارات، أصبحت أكثر السياسات طموحًا قابلة للمراجعة.
وقد حذرت شركات مثل فورد وستيلانتس من أن تسريع الأهداف الزمنية قد يضر بالقطاع ويهدد الوظائف.
ليس لأن التغير المناخي اختفى.
وليس لأن أهداف الحياد الكربوني فقدت مشروعيتها.
بل لأن الناخب الذي يواجه ضغوط المعيشة يريد إجابات عن مشكلاته الحالية قبل أن يقتنع بتضحيات بعيدة لأجيال قادمة.
وهكذا لم يعد السؤال: ما الذي ينبغي فعله على المدى الطويل؟
بل: ما الذي يمكن تحمله الآن؟
وفي عالم يزداد فيه القلق الاقتصادي، يصبح المستقبل نفسه قابلًا للتفاوض.
عصر التراجعات الكبرى
قد ينجح ستارمر في إنقاذ حكومته عبر هذه المراجعات.
وقد يعتبرها خصومه دليلًا على الضعف، فيستغلون كل خطوة إلى الوراء لتقويض ما تبقى من سلطته السياسية.
لكن الخبر الحقيقي قد يكون شيئًا آخر.
فبريطانيا لا تتراجع فقط عن بعض سياساتها، بل تعيد ترتيب أولوياتها.
فكلما حاولت السياسة الانشغال بأسئلة المستقبل الكبرى، عادت أسئلة الحاضر لتفرض نفسها من جديد: الأمن، والاقتصاد، والهجرة، وتكاليف المعيشة.
وربما تكون هذه هي المفارقة الأهم في تجربة كير ستارمر حتى الآن.
فالرجل الذي جاء واعدًا بإدارة المستقبل، يجد نفسه مضطرًا إلى إدارة التراجع عنه.
ليس لأنه يفتقر إلى الطموح بالضرورة.
بل لأن عصر الأحلام الكبيرة يبدو أنه يصطدم اليوم بعصر التراجعات الكبرى.
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇