سايكس بيكو… يُقُسّم الجسد، لكن الرّوح تبقى واحدة
حين نعود إلى بدايات القرن العشرين، ونقرأ سطور التّاريخ لا مجرّد هوامشه، ندرك أن اتّفاقيّة سايكس بيكو لم تكن خطوطاً رسمها موظف بريطانيّ على خريطةٍ، كانت فعلاً سياسيّاً عميقاً ضرب قلب الشّرق العربي، فقسّم الأرض، وشرذم الجغرافيا، وخلق دولاً وحدوداً وحواجز لم يعرفها أهل المنطقة يوماً. سنواتٌ طويلةٌ مرّت، وما زالت آثار تلك الخطوط الحمراء تنبض في تفاصيل حياتنا اليوميّة، سياسيّاً وثقافيّاً واجتماعيّاً.
لكنّ الأخطر من تقسيم الأرض، هو محاولة تقسيم الفكر. فالجغرافيا قد تُقسّم، لكنّ الوجدان حين يُقسّم يصبح الشّرخ أعمق وأخطر.
الاستعمار قسّم حدودنا… لكن لا ينبغي أن نسمح له بتقسيم عقولنا

لقد نجح الاستعمار يومها في زرع كيانات، وفصل شعوب، وإقامة حدود بين أبناء العائلة الواحدة. فجعل الشّامي غريباً عن العراقي، والعراقيّ بعيداً عن المصري، والفلسطيني منفصلاً عن السّوري… وتوزّعت الأمّة كخرزٍ متناثر على خيط مقطوع.
لكنّ الفشل الحقيقي لا يكمن في تلك الحدود، وإنّما في قبولنا نحن –بعد كلّ هذا الزمن– أن تتحوّل الخطوط الوهميّة إلى جدران نفسيّة. أن نعامل بعضنا كغرباء، وأن نسمح لثقافة التشظّي بأن تنتصر على ثقافة الأخوة.
فالأمّة الّتي جمعها تاريخٌ واحدٌ ولسانٌ واحدٌ وروابط عميقة، لا يمكن أن تُهزم بخطٍّ مرسومٍ على رمل. الهزيمة الحقيقيّة هي حين يصبح هذا الخطّ في داخلنا.
الصّراع الفكريّ والمذهبيّ… نار تُنَفَخُ فيها أيدٍ لا تريد لنا الخير
من أخطر ما زُرع في منطقتنا بعد سايكس بيكو هو فكرة الصّراع بين الاتّجاهات والمذاهب والمدارس الدّينيّة والفكريّة.
مع الوقت، تحوّلت هذه الاجتهادات المتنوّعة إلى متاريس، وتحوّلت الاختلافات الطّبيعيّة إلى ساحات خصومةٍ، رغم أنّها وُجدت أساساً لتوسيع الفهم لا لتضييقه.
إنّ أخطر ما وقعنا فيه هو أن يصبح الاختلاف في الفهم الدّينيّ أو التّراثيّ سبباً لتمزيق المجتمع، بدل أن يكون إثراءً للفكر وتنوّعاً في الرّؤية.
القوى الخارجيّة تدرك تماماً أنّ الشّرق حين يتوحّد يصبح قوّةً كبرى. لذلك كان ولا يزال يُحرَّض على النّزاعات الفكريّة؛ لأنّها تعلم أنّ الانقسام العقليّ أكثر فتكاً من الانقسام الجغرافيّ.
أبناء الجلدة الواحدة… لماذا نتحوّل إلى خصوم؟
أبناء البلد الواحد، الشّارع الواحد، العائلة الواحدة، يتحوّلون اليوم إلى خصوم فقط لأنّ هذا يتبع منهجاً فكريّاً مختلفاً، أو رؤيةً دينيّةً أخرى.
هل يُعقل أن يصبح مجرّد اختلافٍ في التّأويل أو الفهم سبباً للقطيعة والعداء؟
هذه المدارس المختلفة وُلدت عبر التّاريخ نتيجة اجتهاد علماء كبار، وكلٌّ منهم بذل وسعه في خدمة الدّين والمعرفة. لم يدّعِ أحدٌ منهم أنّه يمتلك الحقيقة الكاملة أو أنّه الطّريق الوحيد.
اختلفوا… نعم.
لكنّهم اختلفوا بأدبٍ، وبقيت المحبّة بينهم، لأنّهم أدركوا أنّ الوحدة في الأصل أهمّ من التّفصيل، وأنّ الغاية واحدةٌ وإن اختلف الطّريق.
ما نحتاجه اليوم… تجاوز ذهنيّة الصّراع إلى ذهنيّة البناء
أمّتنا اليوم ليست بحاجةٍ لاصطفافاتٍ جديدةٍ، ولا لمعركةٍ بين الاتّجاهات، ولا لفرزٍ فكريٍّ يزيد النّار اشتعالاً.
أمّتنا تحتاج إلى:
•استعادة المشترَك الّذي يجمعنا: اللّغة، الثّقافة، الرّوابط، التّاريخ، والمصير.
•تعلّم أدب الاختلاف… أن نتحاور دون أن نتخاصم.
•إسقاط سلاح التّخوين الّذي فرّق العائلات وأنهك المجتمعات.
•الإيمان بأنّ التّنوع قوّةٌ، لا تهديداً، وأنّ الاختلاف لا يعني العداوة.
سايكس بيكو الجديدة… ليست على الخريطة، بل في العقول
قد لا تُرسم اليوم خرائط جديدة كما رُسمت قبل قرنٍ، لكن أخطر الخرائط تلك الّتي تُرسم في الدّاخل: حين يصبح الفرد طائفيّاً على حساب أمّته، ومتحزّباً على حساب إنسانيّته، ومنغلقاً على حساب مصلحته الكبرى.
نحن الّذين نقرّر إن كانت سايكس بيكو ستنتهي أم ستبقى.
ستنتهي حين نكسر حدود التّعصب، وتنهار أمامنا أسوار الكراهيّة، وتعود الأمّة كما كانت: كالجسد الواحد.
لقد قُسّمت أرضنا ظلماً، لكن لا يملك أحدٌ أن يقسّم أرواحنا إن لم نسمح له.
الشّرق الّذي صنع الحضارة لن يقف عاجزاً أمام خطوط مصطنعةٍ أو صراعاتٍ تغذّيها السّياسة.
نحن اليوم أمام خيارين:
إمّا أن نعيد إنتاج سايكس بيكو داخل عقولنا،
أو نعيد كتابة تاريخٍ جديدٍ تُهزم فيه كلّ محاولةٍ لتفريق أبناء الأمّة.
والأجدر بنا ـ أبناء الجلدة الواحدة ـ أن نختار الوحدة، وأن نصون فكرنا، وأن نحفظ المودّة الّتي جعلت من هذه الرّقعة الجغرافيّة يوماً ما منارةً للإنسانيّة.
حين نتجاوز خلافاتنا الصّغيرة، سينكسر أكبر جدار بناه الغرب بيننا!
اقرأ أيضًا:
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇
