لطالما كان الحديث عن التجنيد الإلزامي في بريطانيا موضوعًا حساسًا وشائكًا، لكن تصاعد التوترات العالمية أعاد الملف إلى الواجهة بوصفه نقاشًا يصعب تجاهله. ومع تزايد القلق من تهديدات توصف بأنها “مقلقة” صادرة من روسيا، تتجه السلطات نحو خيارات عملية لتعزيز الجاهزية العسكرية ورفع معدلات الالتحاق بالقوات المسلحة.
برنامج “سنة فجوة” عسكري يبدأ من مارس لمن هم دون 25 عامًا

ابتداءً من شهر مارس، سيتمكن البريطانيون دون سن 25 عامًا من الوصول إلى برنامج عسكري جديد على هيئة “سنة فجوة” (Gap Year)، هدفه دعم تجنيد الجيش وبناء مهارات حياتية قابلة للنقل إلى سوق العمل.
ويقوم البرنامج على إدخال المدنيين إلى تجربة الحياة العسكرية بصورة تمهيدية، مع إتاحة خيار الانسحاب لاحقًا دون التزام بالانضمام بدوام كامل. أما من يقرر البقاء ضمن القوات المسلحة فسيحصل على تدريب إضافي يؤهله للمشاركة في عمليات ميدانية عند الحاجة.
سؤال الحرب العالمية: هل قد تُعفيك وظيفتك من التجنيد؟
تستحضر المخاوف من اتساع الصراعات سؤالًا كان مرتبطًا بكتب التاريخ: ماذا لو واجهت بريطانيا حربًا شاملة تستدعي تعبئة واسعة؟ وفي حال نشوب حرب عالمية، هل يمكن أن تتحول بعض الوظائف إلى “أصول وطنية” لا يمكن الاستغناء عنها، ما يجعل شاغليها خارج نطاق التجنيد الإلزامي؟
التاريخ يقدم الإجابة: خمس وظائف أساسية أعفيت في الحرب العالمية الثانية

رغم أن شكل التجنيد الإلزامي في عصرنا الحالي ما يزال غير واضح، فإن تجربة الحرب العالمية الثانية تُظهر أن بريطانيا كانت تستثني “العمال الأساسيين” الذين تعتمد عليهم الدولة لضمان استمرار البنية التحتية والخدمات الحيوية.
وخلال تلك المرحلة، شملت الإعفاءات خمس وظائف رئيسية اعتُبرت ضرورية لاستمرار الحياة اليومية ودعم المجهود الحربي:
- الخبازون
- المزارعون
- الأطباء
- الممرضون
- المهندسون
هذه الفئات كانت تُعامل بوصفها ركائز تشغيلية لا غنى عنها، لأن نقصها قد يضرب الأمن الغذائي والصحي والخدمات الأساسية وقدرة البلاد على الاستمرار في زمن الحرب.
“رافضو الخدمة بدافع الضمير”: بدائل غير قتالية بعد محاكمات خاصة
إلى جانب إعفاءات الوظائف الحيوية، سمحت بريطانيا أيضًا بمسار آخر لمن لديهم اعتراضات أخلاقية على القتال. هؤلاء عُرفوا باسم رافضي الخدمة بدافع الضمير (conscientious objectors).
وبحسب ما تشير إليه التجربة التاريخية، كان هؤلاء يخضعون لـمحاكمات/لجان (Tribunals) لتقييم موقفهم، ثم يُوجَّهون بدلًا من الجبهات إلى أدوار غير قتالية تدعم الحرب، بما يضمن مساهمة إجبارية في المجهود الوطني دون حمل السلاح.
كيف بدأ التجنيد قبل الحرب ثم اتّسع فور إعلانها؟

وفق ما يورده موقع البرلمان في بريطانيا، بدأت الاستعدادات قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية رسميًا. ففي ربيع 1939 ومع تدهور الوضع الدولي، اتجهت حكومة نيفيل تشامبرلين إلى التحضير لاحتمال الحرب ضد ألمانيا النازية.
وفي مايو 1939 حصلت خطة تجنيد محدود على موافقة البرلمان عبر قانون التدريب العسكري، وتركزت على الرجال غير المتزوجين بين 20 و22 عامًا، مع إلزامهم ستة أشهر من التدريب العسكري، وسجّل حينها نحو 240 ألف للخدمة.
لكن عند إعلان الحرب في 3 سبتمبر 1939، انتقل التجنيد من نطاق محدود إلى تعبئة أوسع: أُقرّ قانون الخدمة الوطنية (القوات المسلحة) وفرض التسجيل الإلزامي على جميع الذكور بين 18 و41 عامًا. وفي المقابل، جرى إعفاء غير اللائقين طبيًا، وإعفاء العاملين في الصناعات والوظائف الحيوية — ومنها الوظائف الخمس المذكورة أعلاه.
التوسّع لاحقًا: تجنيد نساء واستدعاء رجال حتى 60 عامًا

مع استمرار الحرب واتساع احتياجات الدولة، اتخذت بريطانيا خطوات أكثر شمولًا. فبحلول أواخر 1941 تم تجنيد النساء و”جميع الأرامل غير اللاتي لديهن أطفال” بين 20 و30 عامًا، كما تم استدعاء الرجال حتى سن 51 عامًا.
ولم يتوقف الأمر هنا؛ إذ أُلزم من هم بين 52 و60 عامًا بأداء “شكل من أشكال الخدمة العسكرية”، ووفق التفسير الوارد، جاء ذلك بسبب نقص المتطوعين في أعمال الشرطة والدفاع المدني، ونقص النساء الراغبات في الوحدات المساندة للقوات المسلحة.
ترى منصة العرب في بريطانيا AUK أن طرح ملف التجنيد مجددًا—ولو عبر برنامج “سنة فجوة” تطوعي—يعكس تحوّلًا في أولويات الأمن والدفاع في أوروبا وبريطانيا تحت ضغط التوترات الدولية. وتؤكد المنصة أن أي نقاش حول التجنيد الإلزامي يجب أن يقوم على الشفافية والضمانات القانونية وصون الحريات، مع تفضيل الحلول الدبلوماسية وتخفيف التصعيد، ورفض استخدام المخاوف الأمنية لإثارة الذعر أو ممارسة ضغط على الشباب.
المصدر: ميرور
إقرأ أيضًا: