العرب في بريطانيا | حادثة العبور إلى سبتة..الرسائل الخفية لأوروبا

حادثة العبور إلى سبتة..الرسائل الخفية لأوروبا

حادثة العبور إلى سبتة..الرسائل الخفية لأوروبا
جلال الورغي أغسطس 6, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

بعد ساعات قليلة فقط من الحادثة اللافتة التي تمثلت في عبور أكثر من 50 ألف مغربي الحدود باتجاه إسبانيا والوصول إلى مدينة سبتة، وما أثارته من جدل في الأوساط الأوروبية الرسمية والشعبية، كشفت صحيفة «الغارديان» البريطانية عن مخطط لحزب «ريفورم» اليميني المتطرف، بزعامة نايجل فاراج، لإطلاق ما وصفه بأنه «أكبر عملية عسكرية في بحر المانش الإنجليزي منذ الحرب العالمية الثانية»، للتصدي لعبور القوارب التي تنقل المهاجرين غير النظاميين من فرنسا إلى بريطانيا.

وتحمل الخطة اسم «عملية القلعة»، وتقضي بنشر السلاح البحري الملكي لاعتراض جميع القوارب غير المصرّح لها في البحر، وإعادتها إلى فرنسا أو بلجيكا. ويبرر اليمين المتطرف استعمال القوات البريطانية في التصدي للمهاجرين بأن البلاد تتعرض للغزو.

حادثة العبور إلى سبتة..الرسائل الخفية لأوروبا
مطالب بنشر البحرية البريطانية في القنال الانجليزي.
الصورة توضيحية (AI)

واللافت أن هذا الاستعمال لكلمة «الغزو» يمثل صدى واضحًا لموقف الرئيس الأمريكي ترامب وإدارته، التي تعتبر أن أوروبا بكاملها تتعرض لغزو المهاجرين، وأن حضارتها الغربية المسيحية مهددة. وعلى هذا الأساس، انخرطت الإدارة الأمريكية في حملة دعم واسعة النطاق لقوى اليمين المتطرف في أوروبا، باعتبارها، حسب ترامب وفريقه، القوى الوحيدة المؤهلة للتعاطي الصارم والقوي مع قضية الهجرة والمهاجرين.

حادثة عبور عشرات الآلاف من المغاربة باتجاه إسبانيا، معطوفة على ما انكشف من مخطط اليمين المتطرف في بريطانيا للتعاطي مع المهاجرين، تستوجب جملة من الملاحظات الأساسية:

حادثة تتجاوز التفسير التقليدي للهجرة

أولًا: لا يمكن الركون إلى تفسير عبور عشرات الآلاف من المغاربة الحدود باتجاه إسبانيا بالتحليل التقليدي، القائم على رغبة مواطني الضفة في الهجرة إلى أوروبا بحثًا عن حياة كريمة، وهربًا من جحيم الواقع في بلدان الجنوب. فحادث العبور كان منظمًا بشكل واضح، ومدعومًا لوجستيًا، وشمل مختلف الفئات العمرية، وحصل أمام أعين حرس الحدود والأجهزة الأمنية. لذلك، فهو لم يكن حادثة هروب، وإنما هو أعقد من ذلك بكثير.

رسالة إلى حكومة بيدرو سانشيز

ثانيًا: من الواضح أن تساهل السلطات الأمنية المغربية في السماح لهذه الحشود غير التقليدية، من حيث العدد، بالعبور الجماعي للحدود، رسالة واضحة إلى الحكومة الإسبانية، لا ترسلها الرباط وحدها، وإنما، في الحقيقة، من يرسلها أساسًا هو الولايات المتحدة الأمريكية. إنها رسالة غضب وسخط أمريكية من حكومة بيدرو سانشيز.

حادثة العبور إلى سبتة..الرسائل الخفية لأوروبا
عبور الاف المهاجرين لسبتة. الصورة: توضيحية (AI)

فدونالد ترامب دعا منذ أسابيع إدارته إلى قطع العلاقات التجارية مع إسبانيا، منتقدًا مواقفها في ملفات عديدة، وعلى رأسها ملف الهجرة. ومنذ أشهر، وردًا على تصريحات ترامب التي طالب فيها الأوروبيين بوقف غزو المهاجرين لأوروبا، واعتبر أن المهاجرين يمثلون خطرًا على الحضارة الغربية المسيحية، كتب سانشيز مقالًا شهيرًا في شهر فبراير في نيويورك تايمز، احتفى فيه بالمهاجرين، واعتبرهم إضافة نوعية إلى الاقتصاد الإسباني والأوروبي، معلنًا تسوية قانونية لأوضاع نحو نصف مليون مهاجر. وهو ما مثّل ردًا صادمًا منه على دعوات ترامب وإدارته وتحريضهما على المهاجرين.

فرضية الدور الأمريكي والضغط على إسبانيا

ثالثًا: تحدثت تقارير عديدة عن أن جهات أمريكية متعاونة مع اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة موّلت لوجستيًا، من خلف ستار، حادثة العبور المشهودة لعشرات الآلاف من المغاربة إلى إسبانيا، لتبعث برسائل واضحة إلى إسبانيا وأوروبا.

ولئن كانت أبرز الرسائل وأخطرها تأكيد السردية الأمريكية ومحاولة تعزيزها، بأن أوروبا تتعرض لغزو من المهاجرين، وأنها ستكون عاجزة عن صد هذا الغزو في ظل حكومات يسارية أو وسطية، وأن القوى اليمينية الأوروبية وحدها، التي تدعمها إدارة ترامب، قادرة على التصدي لهذا الغزو، وأن إسبانيا، التي ترفض الخطاب الأمريكي بشأن الهجرة والمهاجرين، باتت حلقة رخوة والميدان الأول لغزو المهاجرين، فإن الرسائل الأمريكية لا تتوقف عند هذا الحد، وإنما تتمثل أيضًا في معاقبة إسبانيا على رفضها القاطع رفع ميزانية الدفاع ضمن حلف الناتو، وهو ما طلبه ترامب أيضًا.

كما تمثل حادثة الحشود المغربية التي عبرت إلى إسبانيا أحد أوجه العقاب الأمريكي لموقف إسبانيا المنتقد لحرب ترامب في الشرق الأوسط، ورفضها استخدام قواعدها من قبل القوات الأمريكية.

تهديد لإسبانيا ورسالة بشأن الصحراء

رابعًا: تمثل حادثة العبور المدبّر من المغرب إلى إسبانيا تهديدًا واضحًا من اللوبي الصهيوني الأمريكي لمدريد، التي أدانت بقوة العدوان الإسرائيلي الإبادي على غزة، وسحبت سفيرها من تل أبيب، وطالبت بإنهاء الشراكة الأوروبية الإسرائيلية.

ويُعد هذا الحادث محاولة لإرباك الحكومة الإسبانية وإظهارها في موقف العاجز عن حماية أمنها وسيادتها على أراضيها. وفي المقابل، يعتقد مراقبون أن الرباط تساهلت مع الحادث لإيصال رسالة واضحة إلى مدريد بأنها ترفض التقارب الإسباني الجزائري الحاصل أخيرًا، الذي قد ينعكس على موقف إسبانيا من قضية الصحراء.

ورقة لصعود اليمين المتطرف

خامسًا: تفصح حادثة العبور بين المغرب وإسبانيا عن مخاطر كبيرة على المشهد الأوروبي، من حيث تحفيز صعود اليمين المتطرف ومدّه بورقة ذات أهمية قصوى، وهي ورقة الهجرة والمهاجرين.

ففي وقت تحاول فيه القوى الأوروبية الوسطية بلورة استراتيجية متوازنة وعقلانية في التعاطي مع ملف الهجرة والمهاجرين، بعيدًا عن الأطروحات المتطرفة، تعطي المشاهد المخيفة لتدفق عشرات الآلاف من المهاجرين المغاربة باتجاه إسبانيا ورقة قوية لليمين المتطرف، الذي يدق ناقوس الحرب على الهجرة والمهاجرين، من أجل استعمالها واستغلالها في تأليب الرأي العام الأوروبي واستقطابه، ومحاولة تقديم نفسه قوة إنقاذ لأوروبا من غزو المهاجرين.

ولا تبدو إدارة ترامب بعيدة عن هذا المخطط، الذي باتت تعتبره جزءًا من استراتيجيتها للأمن القومي، ونصّت عليه بشكل واضح في تقرير استراتيجية الأمن القومي الصادر في نوفمبر 2025 والموقّع من قبل ترامب.

أوروبا في مرمى رؤية ترامب

من الواضح اليوم أن أوروبا تقع في مرمى رؤية ترامب في ما يتعلق بملف الهجرة والمهاجرين، تمامًا كقضية ميزانية الدفاع في حلف الناتو. ولسان حال إدارة ترامب: إما أن تعلن الحكومات الأوروبية الوسطية القائمة الحرب على الهجرة والمهاجرين، أو تسلّم السلطة لحكومات يمينية تتماهى مع سياسات ترامب ضد الهجرة والمهاجرين.


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا