العرب في بريطانيا | بين تكبيرات العيد وأنين غزّة: حكايةُ فرحٍ مؤجَّل

بين تكبيرات العيد وأنين غزّة: حكايةُ فرحٍ مؤجَّل

تكبيرات العيد
أميرة عليان تبلو مايو 21, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

في لحظةٍ واحدة، يتجاور في هذا العالم صوتان لا ينبغي أن يجتمعا: تكبيرات العيد التي ترتفع كأنها إعلانٌ كونيّ بالفرح، وأنينٌ بعيدٌ يأتي من مدينةٍ لم يعد الألم فيها حدثاً مفاجئاً، فقد صار حالةً دائمة تُشبه الطقس. وبين الصوتين، تتشكّل مفارقة الإنسان الحديث؛ ذلك الكائن الذي يستطيع أن يبتسم في جهة، بينما ينهار في جهة أخرى من العالم دون أن يلتقي الشقّان في وعيه بسهولة.

العيد في عمقه فكرة عن اكتمال الإنسان، عن لحظة هدنة مع الحياة، عن مصالحةٍ مؤقتة بين الروح والعالم. هو الزمن الذي يُفترض أن يتخفّف فيه الإنسان من ثقل الأيام، وأن يعود إلى معنى الفرح بوصفه حقّاً طبيعيّاً لا امتيازاً. لكن هذا المعنى، في زمننا، لم يعد متاحاً بالتساوي للجميع. فهناك أماكن يُولد فيها العيد كاملاً، وأماكن أخرى يُولد فيها منقوصاً، وأماكن—مثل غزة—يبدو فيها العيد فكرةً مؤجلة أكثر مما هو واقع.

في المدن التي تنعم بالهدوء، يأتي العيد كاحتفالٍ بالحياة. تتغيّر تفاصيل اليوم، تتزيّن الأرصفة، وتُفتح البيوت كأنها قلوبٌ صغيرة تتسع للجميع. لكن في غزة، لا يُقاس العيد بقدومه، ولكن بمدى قدرة الناس على التعرف إليه وسط الركام. هناك، لا يُسمع التكبير بوصفه موسيقى الفرح فقط، ولكن بوصفه أيضاً صدىً بعيداً لحياةٍ كان يمكن أن تكون مختلفة.

ما بين التكبير والأنين، تتسع المسافة الأخلاقية في العالم. ليس لأن الفرح خطأ، وإنّما لأن وجوده غير المتكافئ يصبح سؤالاً صعباً عن العدالة. كيف يمكن للإنسانية أن تكون واحدة، بينما شروط الفرح نفسها غير موزعة بعدل؟ وكيف يمكن لمفهوم “العيد” أن يحتفظ بصفائه، إذا كان جزء من البشر يعيشه كحقيقة، وجزء آخر يعيشه كحلمٍ مؤجل؟

غزة هي انعكاسٌ مكثفٌ للسؤال الإنساني كله. فيها يتعرّى معنى الحياة من زخارفه، ويظهر كما هو: هشّاً، مكلّفاً، ومقاوماً للفناء في آنٍ معًا. هناك، يتحوّل البقاء إلى شكلٍ من أشكال المقاومة اليومية. أن تستيقظ، أن تحمي أطفالك، أن تبحث عن ماء، أن تحاول أن تصنع يوماً جديداً من وسط العدم—كل ذلك يصبح فعلًا يتجاوز البساطة إلى حدود البطولة الصامتة.

وفي خضم هذا المشهد، يأتي العيد كزائرٍ خجول، لا يجرؤ على إعلان نفسه بصوتٍ كامل. يمرّ بين البيوت المهدّمة كذكرى، بين الوجوه المتعبة كاحتمال، بين الدعوات كأمنية ثقيلة. لا يختفي، لكنه أيضاً لا يكتمل. كأنه يعرف أن عليه أن يمرّ هنا بطريقة مختلفة، أقل احتفالاً وأكثر إنصاتاً.

في الخارج، يُقال “عيد مبارك”، وتُرسل التهاني كما تُرسل العادة رسائلها السنوية. لكن في غزة، تتحوّل العبارة نفسها إلى سؤالٍ داخلي: أيّ عيد؟ وكيف يُبارَك الزمن لمن لم يُمنح حتى حدّه الأدنى من الأمان؟ ومع ذلك، لا ينطفئ المعنى بالكامل. وإنّما يظهر بشكلٍ آخر أكثر عمقاً: معنى الصبر الذي لا يُراد له أن يكون فضيلة رومانسية، ولكن واقعاً قاسياً يُمارَس كل يوم.

الفلسفة هنا تأتي من الحياة نفسها حين تُضغط إلى أقصى حدودها. في غزة، يصبح الإنسان مجبراً على إعادة تعريف مفاهيم بدت بديهية في أماكن أخرى: الفرح، الحزن، الأمل، الانتظار. حتى الزمن لا يعود كما هو؛ فالأيام لا تُقاس بالتقويم، وإنّما بدرجات الألم وومضات النجاة.

ومع ذلك، وسط هذا كله، يبقى هناك شيء لا ينكسر بالكامل: القدرة على التمسك بالمعنى. ذلك الإصرار الغريب على أن الحياة تستحق أن تُعاش، حتى حين لا تقدّم أسباباً كافية لذلك. ربما هنا تحديداً يكمن سرّ غزة الذي لا يُفهم بسهولة: أنها لا تتعامل مع الحياة كهدية سهلة، بل كحقٍّ يُنتزع من قلب المستحيل.

بين تكبيرات العيد وأنينها، تُكتب حكاية فرحٍ مؤجل، لأنه معلق في انتظار عدالةٍ لم تكتمل بعد. فرحٌ لا يغيب، لكنه يُعاد تأجيله كل مرة لصالح نجاةٍ أكثر إلحاحاً، لصالح ألمٍ أكثر حضوراً، لصالح يومٍ آخر يُفترض أنه سيكون أخفّ.

لكن الفرح، رغم كل شيء، لا يموت. قد يُؤجَّل، قد يُخفى، قد يُستبدل مؤقتاً بالصبر، لكنه يظل فكرةً كامنة في الوعي الإنساني، تنتظر لحظة استعادة. وغزة، رغم كل ما يُقال عنها، لا تُلغي الفرح من قاموسها، وإنّما تعيد تعريفه.

يصبح الفرح هناك ليس ضحكةً مكتملة، وإنّما قدرةً على الاستمرار، وليس احتفالاً صاخباً، ولكن نجاةً يومية من الانكسار.

وهكذا، حين يعلو صوت التكبير في مكانٍ ما من العالم، ويعلو في المقابل أنينٌ في مكانٍ آخر، لا يعود السؤال عن الفرق بين الصوتين فقط، بل عن العالم الذي يسمح لهما أن يتزامنا بهذا الشكل القاسي. عن الإنسانية التي ما تزال تتعلّم كيف تكون واحدة، دون أن تُقصي أحداً من حقّه في الفرح.

في النهاية، يبقى العيد فكرةً أكبر من طقوسه، لكنه أيضاً اختبارٌ أخلاقيٌّ لمعناه. وغزة، في هذا الاختبار، ليست هامشاً للحكاية، هي قلبها الذي يُعيد طرح السؤال الأهم: هل يمكن للفرح أن يكون كاملاً، ما دام هناك من لا يزال ينتظره؟


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 26 مايو 2026
في خير أيام الدنيا، حيثُ تتنزلُ الرحماتُ وتُستجابُ الدعوات، قلوبنا معلقةٌ بأهلنا في غزة والسودان وكل جريح في بلادنا العربية والإسلامية. بينما نرفعُ أيدينا بالدعاء، دعونا نمدُّ لهم يدَ العطاء عبر منظمة العمل من أجل الإنسان. تبرعُك اليوم طوقُ نجاةٍ…
𝕏 @alarabinuk · 26 مايو 2026
🗞️بين طقس يشتعل وسياسة تلتهب، عناوين ثقيلة تتصدر الصحف البريطانية اليوم.. فبينما تسجل البلاد درجات حرارة تاريخية، تنشغل اسكتلندا بقضية قانونية طالت زوج رئيسة الوزراء السابقة بتهمة اختلاس أموال الحزب. للاطلاع على أبرز ما تناولته الصحف: https://alarabinuk.com/?p=227631 #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 26 مايو 2026
برمنغهام تُنصّب أول عمدة مسلم في تاريخها.. وسط حضور لافت في "مجلس المدينة"، تم رسميًا تنصيب المستشار زاكر شودري عمدةً لمدينة برمنغهام لدورة 2026–2027 (Lord Mayor)، في حفل مهيب افتُتح بتلاوة آيات من القرآن الكريم. ولد شودري في إقليم "آزاد…
𝕏 @alarabinuk · 26 مايو 2026
أبرز الموضوعات التي يمكنكم متابعتها اليوم عبر موقعنا الرسمي ومنصاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي 📰 🌐 http://Alarabinuk.com #العرب_في_بريطانيا #AUK #أخبار #نشرة_الأخبار #بريطانيا
عرض المزيد على X ←