العرب في بريطانيا | بين الكلفة والهدف: مأزق الاستراتيجية الأمريكية ...

بين الكلفة والهدف: مأزق الاستراتيجية الأمريكية في مواجهة إيران

بين الكلفة والهدف: مأزق الاستراتيجية الأمريكية في مواجهة إيران
د. إبراهيم حمامي مارس 23, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

ليست كل الحروب تُقاس بنتائجها العسكرية، وبعضها لا يُقاس حتى بمسارها الميداني، بل بقدرتها على الاستمرار دون أن تنقلب إلى عبء على من يخوضها.

من هذه الزاوية تحديداً، تبدو الحرب على إيران مثالاً واضحاً على لحظة مفصلية، حيث يبدأ التفوق العسكري بفقدان معناه أمام تكلفة متصاعدة وأهداف آخذة في التراجع.

حين تصل تكلفة العمليات إلى نحو مليون دولار في الدقيقة -بحسب صحيفة نيويورك تايمز- فإن السؤال لا يكون عن القدرة على القتال، بل عن القدرة على الاستمرار، فالدول لا تُستنزف فقط حين تُهزم، بل حين تُجبر على دفع ثمن متزايد لحرب لا تقترب من نهايتها، وهنا تكمن المفارقة: القوة التي تمكّن الولايات المتحدة من خوض هذه الحرب، هي نفسها التي تجعلها باهظة إلى حدّ يصعب تحمّله على المدى الطويل.

المشكلة الأعمق لا تتعلق بالتكلفة وحدها، بل بطبيعة الأهداف، فالحروب التي تبدأ بسقوف عالية -تغيير نظام، أو إنهاء برنامج استراتيجي بالكامل- من النادر أن تنتهي عند تلك النقطة.

ما يحدث عادة هو ما نشهده اليوم: انزلاق تدريجي نحو أهداف أقل طموحاً، يُعاد تعريفها مع كل مرحلة، حتى تتحول الحرب من مشروع حسم إلى إدارة أزمة مفتوحة.

هذا ليس تطوراً تقنياً في الاستراتيجية، بل اعتراف ضمني بأن الحسم غير ممكن بالتكلفة الحالية.

في المقابل، لا يحتاج الطرف الآخر إلى تحقيق انتصار تقليدي…

يكفيه أن يُبقي الحرب مستمرة، وأن يفرض معادلة استنزاف غير متكافئة اقتصادياً.

حين تُستخدم أدوات باهظة الثمن لمواجهة وسائل منخفضة التكلفة، تصبح المسألة مسألة وقت لا أكثر. الزمن هنا ليس عاملاً محايداً، بل يميل تدريجياً لمصلحة الطرف القادر على الصمود بأقل تكلفة.

ثم هناك الداخل الأمريكي، وهو العامل الذي كثيراً ما حسم نتائج حروب سابقة: ارتفاع أسعار الوقود، وتضخم الإنفاق العسكري، والانقسام السياسي، كلها مؤشرات على أن هذه الحرب لا تُخاض فقط في الخارج، بل داخل المجتمع الأمريكي نفسه. ومع كل يوم يمر، يتسع نطاق السؤال: ما الذي يُبرر هذه التكلفة؟ وما الهدف النهائي؟

الأخطر من ذلك أن الحرب لا تجري في بيئة معزولة…

فهي تتقاطع مع توازنات دولية حساسة، ومع صراع مفتوح بين قوى كبرى تسعى لاستثمار أي استنزاف أمريكي لمصلحتها، وفي عالم يعتمد على استقرار الطاقة، يكفي اضطراب محدود في الإمدادات ليتحول الصراع إلى أزمة عالمية، تتجاوز بكثير حدود المواجهة المباشرة.

في ضوء ذلك، لا تبدو المشكلة في احتمال الخسارة العسكرية، بل في الوقوع في ما هو أكثر تعقيداً: حرب لا تُخسر بوضوح، ولا تُربح بوضوح، لكنها تستمر.

هذا النوع من الحروب هو الأكثر تكلفة؛ لأنه لا يفرض قراراً حاسماً، بل يترك الباب مفتوحاً أمام استنزاف طويل، تتآكل فيه القدرة السياسية قبل القدرة العسكرية.

هنا تحديداً يبرز السؤال الحقيقي: هل ما يجري هو حرب بهدف تحقيق نتيجة، أم مسار يتطور بذاته، وتُعاد فيه صياغة الأهداف لتبرير الاستمرار؟

في النهاية، قد لا تكون هذه الحرب اختباراً لقدرة الولايات المتحدة على استخدام القوة، بل لقدرتها على ضبطها، فالتاريخ لا يُظهر فقط من انتصر، بل من عرف متى يتوقف.

في الحروب التي تُدار بهذا الشكل، يكون التحدي الأكبر ليس في الدخول إليها، بل في الخروج منها.


 

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 23 يونيو 2026
"بدلًا من إنفاق المزيد من المال على السلاح دعونا ننفقه على السلام"، هكذا رد الزعيم السابق لحزب العمال والزعيم الحالي لحزب "يور بارتي" جيريمي كوربن على استقالة ستارمر، معلقًا على تصريحاته غير العادلة بحق الحزب أثناء تولي كوربن القيادة، وموضحًا…
𝕏 @alarabinuk · 23 يونيو 2026
زعيم حزب الخضر زاك بولانسكي يرد في مقابلة نارية على مذيعة "سكاي نيوز"، بعد انتقاده سياسات العمال والأنباء المحيطة بقيادة آندي بيرنام؛ حيث أفشل محاولاتها للتشكيك في إبادة غزة والدفاع عن قرارات وزيرة الداخلية بشأن الهجرة. #شاهد #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 23 يونيو 2026
أكثر من 3000 مشارك من 23 دولة اجتمعوا في لندن ضمن المؤتمر الدولي ضد الحرب 2026، في رسالة جماعية تدعو إلى السلام والعدالة ورفض التصعيد العسكري. فلسطين كانت في قلب النقاشات، وسط دعوات متواصلة لتعزيز التضامن الدولي وإنهاء الحروب، فيما…
𝕏 @alarabinuk · 23 يونيو 2026
الأرقام والدلائل.. مركز (CfMM) يثبت ممارسة القنوات البريطانية التحيز في التغطية عندما يكون الضحية مسلمًا؛ بين تغطية مكثفة لهجمات غولدرز غرين وتهميش واضح لهجمات إدنبرة ضد المسلمين، مع إخفاء أسماء الضحايا وتجنب مصطلح الإسلاموفوبيا. #العرب_في_بريطانيا #AUK
عرض المزيد على X ←