انتخابات بريطانيا 2026: لماذا صوّت كثيرون لحزب ريفورم؟
بينما أُغلقت صناديق الاقتراع في بريطانيا مساء الثامن من مايو/أيار 2026، لم يكن الهدوء هو العنوان الحقيقي للمشهد، بل كان وقعُ تحوّل سياسي عميق يعيد رسم خارطة المزاج الانتخابي البريطاني. فالصعود الكبير الذي حققه حزب ريفورم (Reform UK) في الانتخابات المحلية والإقليمية لم يكن مجرد تصويت احتجاجي عابر، ولا يمكن اختزاله بسهولة في الشعارات التقليدية عن اليمين واليسار، بل بدا أقرب إلى لحظة سياسية كاشفة لقلق اجتماعي واقتصادي متراكم، تجاوز الهُويات الجامدة، وفرض أسئلة أكثر تعقيدًا عن أولويات الناخب البريطاني، ويشمل ذلك الناخب من أصول مهاجرة.
لسنوات طويلة، رُوِّج لصورة نمطية مبسطة تختزل المهاجر في أحد نموذجين: إما ضحية دائمة مرتبطة تلقائيًا بخطاب اليسار، وإما مهاجر “يجرّ السُّلَّم خلفه” بمجرد استقراره، فيرفض القادمين الجدد خوفًا على امتيازاته. لكن ما أظهرته نتائج اليوم، ولا سيما في مناطق متنوعة ديموغرافيًا مثل هافيرينغ، وسندرلاند، وأجزاء من لندن وبرمنغهام وشيفيلد، هو أن الواقع أكثر تعقيدًا من هذه الصور الجاهزة.
فحين يصوّت مواطن من خلفية مهاجرة لحزب يرفع شعار ضبط الحدود أو إصلاح منظومة الإنفاق، فليس بالضرورة أنه يتحرك بدافع عداء للمهاجرين، بل لأنه بات يرى نفسه أيضًا مواطنًا كامل الحقوق والواجبات، يدفع الضرائب، ويخشى مثل غيره على جودة المدارس، وكفاءة المستشفيات، وتوفر السكن، ومستقبل أبنائه. هنا، يصبح التصويت انعكاسًا لفكرة الاستقرار والعقد الاجتماعي، لا مجرد تعبير عن أصل عرقي أو ذاكرة هجرة.
كثير من الناخبين لا ينظرون إلى الدولة باعتبارها “فندقًا مفتوحًا”، بل بيتًا جماعيًا يحتاج إلى إدارة فعالة وعدالة واضحة حتى يتسع للجميع بكرامة. ومن هذا المنظور، فإن اختيار حزب يعدّ -في نظر مؤيديه- أكثر حزمًا في ملف الضرائب أو المساعدات الاجتماعية أو ضبط الهدر، لا يعني بالضرورة رفضًا للآخر، بل قد يعكس مطالبة بإعادة تعريف أولويات الدولة.
ولا يمكن تجاهل أن جزءًا من هذا التحول يرتبط بقلق اقتصادي حقيقي لدى شريحة كبيرة من دافعي الضرائب، وبخاصة مع تصاعد النقاش بشأن حجم الإنفاق على الرعاية الاجتماعية، وأعباء الضرائب، والضغط على الخدمات العامة. حين يشعر المواطن -أيًا كان أصله- أن فاتورة الدولة تتضخم ومستوى الخدمات يتراجع، فمن الطبيعي أن يبحث عن خطاب سياسي يعده بإعادة الانضباط المالي أو مراجعة أولويات الإنفاق، وإنهاء ما يراه كثيرون حالة استنزاف غير عادلة لدافع الضرائب.
من هنا، فإن صعود ريفورم في بعض المناطق لا يمكن فهمه باعتباره انتصارًا لليمين الشعبوي فقط، بل أيضًا بوصفه رسالة احتجاج على أداء الأحزاب التقليدية، وعلى رأسها العمال والمحافظون، بعد سنوات من شعور قطاعات واسعة بأن الخطاب السياسي لم يعد يترجم إلى تحسن ملموس في حياتهم اليومية.
والأهم أن هذه الانتخابات حملت رسالة واضحة: لم تعد أصوات الأقليات أو المهاجرين “مضمونة” لأي حزب لمجرد اللغة الخطابية أو الإرث التاريخي. الناخب -مهما كانت خلفيته- أصبح أكثر استعدادًا للتصويت وفق مصلحته المعيشية المباشرة، لا وفق التصنيفات الأيديولوجية المسبقة. وهذا بحد ذاته مؤشر على نضج سياسي واندماج أعمق، حيث تتراجع الاعتبارات الهوياتية أمام أسئلة الضرائب، والخدمات، والأمن الاقتصادي.
هذا لا يعني بالضرورة أن كل من صوّت لريفورم يتبنى كامل أجندته، لكنه يعني أن شرائح متزايدة أرادت توجيه إنذار سياسي واضح: لا أحد يحتكر أصوات الناس، ولا أحد يمكنه الافتراض أن الخلفية العرقية تحدد تلقائيًا السلوك الانتخابي.
في المحصلة، كشفت انتخابات الثامن من مايو/أيار 2026 عن بريطانيا أكثر تعقيدًا مما تحب بعض السرديات تبسيطه. بريطانيا يبحث فيها كثيرون -من مختلف الأصول- عن دولة أكثر كفاءة، وإنفاق أكثر عدالة، وحدود أكثر وضوحًا، وخدمات أكثر استقرارًا. ومع أن الانقسامات ستستمر بشأن تفسير هذا التحول، يبقى الثابت أن الناخب البريطاني بعث رسالة قوية: الأمن الاقتصادي، والانضباط المالي، والاستقرار المعيشي باتت عوامل قادرة على إعادة تشكيل الخريطة السياسية، بعيدًا عن الصور النمطية القديمة.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇