العرب في بريطانيا | الملابس المضادة للمراقبة في بريطانيا.. هل تخدع ...

ملابس مضادة للمراقبة في بريطانيا.. هل تستطيع خداع كاميرات الذكاء الاصطناعي؟

ملابس مضادة للمراقبة في بريطانيا.. هل تستطيع خداع كاميرات الذكاء الاصطناعي؟ صورة توضيحية (AI)
فريق التحرير أغسطس 30, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

في الوقت الذي تتوسع فيه بريطانيا في استخدام تقنيات التعرف على الوجه والمراقبة المدعومة بكاميرات الذكاء الاصطناعي، بدأت تظهر في عالم الأزياء ابتكارات تتخذ من الملابس وسيلة للتشكيك في قدرة الخوارزميات على التعرف على الأشخاص.

وأعادت تقارير إعلامية بريطانية تسليط الضوء على ما يُعرف باسم “الملابس العدائية” (Adversarial Clothing)، وهي ملابس تستخدم أنماطًا وأشكالًا وألوانًا مصممة بطريقة تستهدف بعض نقاط الضعف المحتملة في أنظمة الرؤية الحاسوبية.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة “ذا صن”، ظهر قميص يحمل اسم “التمويه الرقمي” (Digital Camouflage)، صممه الفنان الألماني سايمون فيكرت، ويستخدم مزيجًا من الألوان والأنماط التجريدية بهدف إرباك بعض أنظمة الرؤية الحاسوبية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي. ويبلغ سعر القميص المعروض للبيع نحو 55.65 باوند.

لكن الفكرة لا تعني أن ارتداء هذا النوع من الملابس يجعل الشخص “غير مرئي” للكاميرات، كما قد توحي بعض العناوين المثيرة؛ فالنتائج تختلف بحسب نوع الكاميرا، والخوارزمية المستخدمة، وظروف التصوير، والمسافة، والإضاءة، وما إذا كان النظام يحاول التعرف على الوجه تحديدًا أو اكتشاف جسم الإنسان وتتبع حركته.

ما المقصود بالأنماط العدائية؟

تعتمد الفكرة على مفهوم تقني يُعرف باسم (Adversarial Patterns)، أو “الأنماط العدائية”، وهي أنماط بصرية تُصمم بطريقة يمكن أن تؤثر في الطريقة التي تفسر بها بعض نماذج الذكاء الاصطناعي الصور.

فالإنسان قد يرى رسومات هندسية أو زخارف غير منتظمة على قطعة ملابس، بينما قد تتعامل خوارزمية رؤية حاسوبية مع هذه العناصر باعتبارها إشارات بصرية مختلفة عن الأنماط التي تعلمت استخدامها في التعرف على الأشخاص.

وتشير تقارير متخصصة إلى أن مصممين وشركات بدأوا بالفعل في دمج هذه الأنماط في الملابس، ليس فقط بهدف محاولة تقليل قدرة بعض أنظمة التعرف الآلي على تحليل الصور، وإنما أيضًا لتحويل الملابس إلى وسيلة للتعبير عن موقف اجتماعي من انتشار المراقبة الرقمية.

وهنا تكمن أهمية الفكرة: الملابس لم تعد مجرد وسيلة لحماية الإنسان من الطقس أو للتعبير عن الذوق، بل يمكن أن تصبح جزءًا من النقاش حول العلاقة بين الإنسان والخوارزمية.

هل تستطيع هذه الملابس فعلًا خداع كاميرات المراقبة؟

الإجابة تحتاج إلى قدر من الحذر.

فالقول إن “قميصًا يخدع كاميرات المراقبة” قد يكون تبسيطًا مفرطًا لفكرة تقنية أكثر تعقيدًا.

أنظمة المراقبة الحديثة ليست نوعًا واحدًا من التكنولوجيا. فهناك أنظمة تتعرف على الوجوه، وأخرى تكتشف الأشخاص والأجسام، وأنظمة تتبع الحركة، إضافة إلى تقنيات تستطيع تحليل لقطات مسجلة في وقت لاحق.

لذلك فإن نجاح نمط بصري معين ضد خوارزمية محددة لا يعني بالضرورة أنه سيعمل ضد جميع الكاميرات أو أنظمة الذكاء الاصطناعي.

كما أن تصميمًا يهدف إلى التأثير في نظام للتعرف على الأجسام قد لا تكون له النتيجة نفسها أمام نظام آخر يستخدم خوارزمية مختلفة أو صورة عالية الجودة من زاوية أخرى.

وهنا توجد نقطة مهمة تتعلق بقميص Digital Camouflage نفسه؛ إذ يوضح سايمون فيكرت أن العروض التجريبية للتصميم تستخدم نظامًا مفتوح المصدر من نوع (YOLO) مخصصًا لاكتشاف الأشخاص والأجسام، وليس نظام التعرف المباشر على الوجه الذي تستخدمه الشرطة البريطانية. كما يؤكد أن المشروع لا يدعي القدرة على خداع نظام حكومي بعينه، ولا يقدم ضمانًا بإخفاء هوية مرتدي القميص في جميع الظروف.

ولهذا فإن وصف هذه الملابس بأنها توفر “حماية كاملة من المراقبة” سيكون مضللًا.

وأوضح فيكرت أيضًا أن الهدف من تصميمه لا يتمثل في توفير وسيلة للتهرب من إنفاذ القانون أو ضمان إخفاء هوية مرتدي القميص بشكل كامل، بل يرتبط أيضًا بإثارة النقاش حول الانتشار المتزايد للمراقبة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

بريطانيا.. بيئة تتوسع فيها تقنيات التعرف على الوجه

يأتي ظهور هذه الموضة في توقيت حساس بالنسبة إلى بريطانيا، حيث تتزايد تطبيقات التعرف على الوجه واستخدام الذكاء الاصطناعي في أعمال الشرطة والأمن والمراقبة.

وتوضح الحكومة البريطانية أن الشرطة تستخدم ثلاثة أنواع رئيسة من تقنيات التعرف على الوجه: التعرف على الوجه بأثر رجعي (Retrospective Facial Recognition)، والتعرف الذي يبدأه المشغّل (Operator Initiated Facial Recognition)، والتعرف المباشر على الوجه (Live Facial Recognition).

وفي حالة التعرف المباشر، تلتقط الكاميرات صور الأشخاص الذين يمرون أمامها في الأماكن العامة، ثم تقارنها بقائمة محددة تُعرف باسم قائمة المراقبة (Watchlist).

وتقول الحكومة إن ما لا يقل عن 13 قوة شرطة كانت قد استخدمت أو تستخدم تقنية التعرف المباشر على الوجه حتى نوفمبر/تشرين الثاني 2025، بهدف المساعدة في العثور على أشخاص مطلوبين لدى الشرطة أو المحاكم أثناء وجودهم في الأماكن العامة.

كما أعلنت الحكومة في ديسمبر/كانون الأول 2025 توجهًا لتعزيز استخدام تقنيات التعرف على الوجه والقياسات الحيوية في إنفاذ القانون، وفتحت مشاورات بشأن إطار قانوني أكثر وضوحًا لاستخدام هذه التقنيات.

وتواصل التوسع خلال 2026؛ ففي يونيو/حزيران أعلنت الحكومة تمويل 40 وحدة إضافية للتعرف المباشر على الوجه، وقالت إن الخطوة ستزيد القدرة الحالية إلى نحو ثلاثة أضعاف.

وهذا التوسع هو تحديدًا ما يمنح “الموضة المضادة للمراقبة” أهمية تتجاوز حدود الأزياء.

كيف تعمل كاميرات التعرف على الوجه؟

بحسب مكتب مفوض المعلومات البريطاني (ICO)، تقوم تقنية التعرف على الوجه بالتقاط صورة رقمية للوجه وتحليل خصائصه، ثم إنشاء تمثيل أو قالب بيومتري يمكن استخدامه للمقارنة والتعرف أو التحقق من الهوية.

وفي تطبيقات التعرف المباشر في الأماكن العامة، يمكن للكاميرا التقاط وجوه الأشخاص ومقارنتها بقائمة مراقبة محددة.

لكن النقطة المهمة هي أن النظام لا يعمل بالضرورة بصورة مستقلة عن البشر.

ففي الاستخدام الشرطي لتقنية (Live Facial Recognition)، تشير الحكومة البريطانية إلى أن النظام قد يطلق تنبيهًا عند وجود تطابق محتمل، لكن ضابطًا مدربًا يقوم بمراجعة النتيجة قبل اتخاذ إجراء بحق الشخص.

وهذا يعني أن “خداع الخوارزمية” – حتى لو نجح في حالة معينة – لا يساوي بالضرورة “الاختفاء من منظومة المراقبة”.

الخصوصية في مواجهة الأمن.. أين تقف بريطانيا؟

المعضلة الأساسية ليست تقنية فقط، وإنما قانونية وأخلاقية أيضًا.

فتقنيات التعرف على الوجه تتعامل مع بيانات بيومترية حساسة، ويؤكد مكتب مفوض المعلومات البريطاني أن استخدام هذه التكنولوجيا قد ينطوي على مخاطر بالنسبة إلى حقوق الأفراد في حماية معلوماتهم وخصوصيتهم.

وتشترط قواعد حماية البيانات في بريطانيا أن يكون استخدام تقنيات المراقبة ومعالجة البيانات الشخصية قائمًا على أساس قانوني، وأن تراعي المؤسسات مبادئ الضرورة والتناسب والشفافية وغيرها من الضمانات.

كما تشير إرشادات ICO إلى أن الجهات التي تستخدم تقنية التعرف على الوجه تحتاج إلى توضيح الأساس القانوني لاستخدامها، وسبب اعتبار التكنولوجيا ضرورية، وما إذا كان يمكن تحقيق الغرض نفسه بوسائل أقل تدخلًا في الخصوصية.

وفي أغسطس/آب 2026، نشر المكتب نتائج عمليات تدقيق لاستخدام الشرطة لهذه التقنيات، ووجد تفاوتًا في مستوى الالتزام بقواعد حماية البيانات، وأصدر 107 توصيات لخمس قوات شرطة، شملت تحسين الرقابة والتدريب وحفظ السجلات والتأكد من دقة الأنظمة وتقليل مخاطر التحيز.

كما تناولت مذكرة حكومية بشأن التعاون بين القطاعين العام والخاص في استخدام تقنية التعرف المباشر على الوجه قضايا أخلاقية من بينها مشاركة البيانات والتحيز والتمييز وإعداد قوائم المراقبة.

لكن هذه المذكرة ليست وثيقة جديدة صدرت في مايو/أيار 2026؛ فقد نُشرت أصلًا في يناير/كانون الثاني 2021، ثم حُدثت صفحتها في مايو/أيار 2026 لتعكس تغيير اسم الجهة الاستشارية المختصة.

من مكافحة الجريمة إلى “مقاومة المراقبة”

أنصار تقنيات التعرف على الوجه يرون فيها أداة يمكن أن تساعد الشرطة على تحديد الأشخاص المطلوبين، والعثور على بعض المفقودين أو الأشخاص المعرضين للخطر، وتسريع التحقيقات.

وبحسب الحكومة البريطانية، أسهم استخدام شرطة العاصمة لندن لتقنية التعرف على الوجه في أكثر من 1300 عملية اعتقال خلال عامين حتى أواخر 2025، شملت أشخاصًا مطلوبين في جرائم مثل الاغتصاب والعنف المنزلي والسطو والاعتداءات الخطيرة.

كما ساعدت التقنية في العثور على أكثر من 100 من مرتكبي الجرائم الجنسية المسجلين الذين كانوا يخالفون القيود المفروضة عليهم.

لكن في المقابل، تطرح منظمات حقوقية ومدافعون عن الخصوصية سؤالًا مختلفًا:

ماذا يحدث عندما تصبح الكاميرات الذكية قادرة على تحليل وجوه الناس وتحركاتهم في الأماكن العامة بصورة متزايدة؟

وهنا تظهر الملابس المضادة للمراقبة باعتبارها نوعًا من “الاحتجاج القابل للارتداء”.

فقد لا يكون الهدف دائمًا منع الكاميرا من رؤية الشخص، وإنما لفت الانتباه إلى حقيقة أن الإنسان أصبح يعيش في بيئة تستطيع فيها الخوارزميات تحليل صورته دون أن يكون مدركًا دائمًا لطبيعة التحليل الذي يجري خلف الكاميرا.

هل نحن أمام اتجاه جديد في عالم الأزياء؟

قد تبدو فكرة ارتداء ملابس مصممة للتعامل مع الخوارزميات غريبة اليوم، لكنها تنتمي إلى اتجاه أوسع يُعرف باسم (Anti-Surveillance Fashion) أو “أزياء مكافحة المراقبة”.

وتحاول هذه التصاميم الجمع بين الوظيفة والرسالة السياسية والاجتماعية.

فالملابس قد تبدو في ظاهرها مجرد أزياء ذات رسومات غير مألوفة، لكنها تحمل في الوقت نفسه رسالة مفادها أن الخصوصية ليست قضية قانونية مجردة، بل أصبحت جزءًا من الحياة اليومية.

وفي هذا السياق، تشير “الغارديان” إلى تجارب مصممين وعلامات تعمل على تطوير ملابس وأدوات تستهدف بعض تقنيات المراقبة، مع تفاوت واضح في فعاليتها بحسب النظام المستخدم.

ومع انتشار الذكاء الاصطناعي، تصبح العلاقة بين الإنسان والصورة أكثر تعقيدًا؛ إذ لم تعد الصورة الرقمية مجرد تسجيل لما حدث، وإنما أصبحت مادة يمكن للخوارزميات تحليلها وتصنيفها وربطها ببيانات أخرى.

لكن ماذا عن كاميرات الشوارع العادية؟

هنا يجب التمييز بين كاميرات المراقبة التقليدية وأنظمة الرؤية الحاسوبية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

فوجود نمط على الملابس لا يعني أن كاميرا (CCTV) ستتوقف عن تسجيل الشخص.

حتى إذا تمكن نمط معين من إرباك خوارزمية محددة، ستظل الكاميرا قادرة على تصوير الشخص، وقد تستطيع أنظمة أخرى اكتشاف وجوده أو تتبع حركته أو تحليل صورته بطرق مختلفة.

كما أن التعرف على الوجه يركز بصورة أساسية على خصائص الوجه، بينما يمكن لبعض أنظمة الذكاء الاصطناعي استخدام مؤشرات أخرى لاكتشاف الأشخاص أو تحليل سلوكهم وحركتهم.

لذلك، فإن التعبير الأدق هو أن هذه الملابس قد تؤثر في أداء بعض أنظمة الرؤية الحاسوبية في ظروف معينة، وليس أنها تمنح مرتديها “درعًا” ضد المراقبة.

مستقبل الخصوصية قد يكون قابلًا للارتداء

ربما يكون الجانب الأكثر إثارة في هذه الظاهرة هو أنها تقلب المعادلة.

فلسنوات طويلة كانت التكنولوجيا تمنح المؤسسات قدرة متزايدة على مراقبة الأفراد، بينما كان الفرد يمتلك وسائل محدودة لمعرفة ما يجري حوله.

أما الآن، فتظهر تقنيات وتصاميم تحاول منح الأفراد أدوات للتفاعل مع أنظمة المراقبة، ولو بصورة رمزية أو محدودة.

وهذا يفتح بابًا لسؤال أكبر من القميص نفسه:

إذا أصبحت المدن أكثر ذكاءً، وأصبحت الكاميرات أكثر قدرة على التعرف والتحليل، فهل ستصبح الخصوصية نفسها جزءًا من الأشياء التي يرتديها الإنسان؟

قد لا تكون الإجابة في قميص أو معطف أو وشاح، لكن “الموضة المضادة للمراقبة” تطرح سؤالًا لا يمكن تجاهله: من يملك حق تحديد ما تستطيع الكاميرات معرفته عن الأشخاص في الأماكن العامة؟

ومع استمرار بريطانيا في تطوير الإطار القانوني واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعرف على الوجه، يبدو أن الجدل حول الخصوصية لن يبقى محصورًا في المحاكم والبرلمان والجهات التنظيمية؛ بل قد ينتقل إلى الشارع، وإلى الجامعات، وإلى عالم التصميم والأزياء.

وفي النهاية، ربما لا تكون القضية أن نبحث عن ملابس تجعلنا “غير مرئيين” أمام الذكاء الاصطناعي، وإنما أن نضمن ألا يصبح الإنسان مرئيًا للخوارزميات أكثر مما يريد، ومن دون الضمانات القانونية والأخلاقية الكافية.

المصدر: صحيفة الصن، الغارديان، Gov.UK


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا