القضاء البريطاني يُنصف طالبي اللجوء ويوقف تقليص ضماناتهم القانونية
قضت المحكمة العليا في بريطانيا بأن قرار وزيرة الداخلية شابانا محمود بتعديل الإرشادات الخاصة بحماية ضحايا الاتجار بالبشر المحتملين، في إطار تنفيذ اتفاق إعادة طالبي اللجوء المعروف باسم “واحد مقابل واحد“، كان غير قانوني، معتبرةً أن التعديلات حرمت بعض طالبي اللجوء من ضمانات قانونية أساسية.
وجاء الحكم على خلفية دعوى قضائية رفعها خمسة من طالبي اللجوء الذين وصلوا إلى بريطانيا عبر القوارب الصغيرة، وكانوا ضمن الأشخاص المقرر إعادتهم إلى فرنسا، بينهم أربعة من إريتريا وآخر من السودان.
الطعن ركز على إلغاء حق إعادة النظر

تمحورت القضية حول تعديل أدخلته وزارة الداخلية على الإرشادات الخاصة بالتعامل مع طلبات الحماية المرتبطة بالاتجار بالبشر، إذ ألغى هذا التعديل حق الأشخاص الذين يتلقون قرارًا أوليًا برفض اعتبارهم ضحايا اتجار بالبشر في طلب إعادة النظر في تلك القرارات.
وفي حكمٍ مطول نُشر صباح الجمعة، خلص القاضي السيد شيلدون إلى أن قرار شابانا محمود بإجراء هذا التعديل كان غير قانوني، فيما اعتبر أن القرارات الفردية الأخرى التي اتخذتها وزيرة الداخلية بشأن القضايا الخمس جاءت متوافقةً مع القانون.
كما منح القاضي جميع طالبي اللجوء الخمسة الإذن بمواصلة دعاواهم القضائية.
المحكمة: التعديل أثَّر في مسار بعض القضايا
وأوضح القاضي أن منع إعادة النظر في قرارات الرفض الأولية المتعلقة بالحماية من الاتجار بالبشر أحدث “فرقًا حقيقيًا” في قضيتين من القضايا الخمس، بينما لم يكن له تأثير في حالتين أخريين.
وأضاف أن سلب طالبي اللجوء هذا الحق يجعل آلية اتخاذ القرار غير كافية، وقال: “في تقديري، لا يمكن اعتبار عملية اتخاذ القرار هذه عمليةً قويةً وفعالةً.”
الحكم قد يغيّر مسار سياسة الهجرة

ومن المتوقع أن تكون للحكم تداعيات واسعة على سياسة الهجرة في بريطانيا، خاصةً أن عددًا كبيرًا من طالبي اللجوء الذين يصلون عبر القوارب الصغيرة قد يكونون ضحايا للاتجار بالبشر، ولا سيما الذين مروا عبر ليبيا خلال رحلتهم إلى بريطانيا.
ويقضي اتفاق “واحد مقابل واحد” بإعادة شخص وصل من فرنسا إلى بريطانيا عبر قارب صغير إلى فرنسا قسرًا، مقابل استقبال بريطانيا لطالب لجوء آخر موجود في فرنسا ولم يحاول عبور القنال الإنجليزي.
وكانت شابانا محمود قد عدلت الإرشادات الخاصة بإعادة النظر في قضايا الاتجار بالبشر بهدف تسريع إعادة بعض الوافدين عبر القوارب الصغيرة إلى فرنسا.
ومنذ بدء تنفيذ الاتفاق في أغسطس الماضي، يُرجح أن أكثر من ألف شخص أُعيدوا إلى فرنسا بموجب هذه الآلية، فيما اختفى كثير منهم لاحقًا، بينما ينتظر مئات آخرون داخل مراكز الاحتجاز في بريطانيا إعادتهم قسرًا إلى فرنسا.
المحكمة تستمع إلى أدلة بشأن مستوى الحماية في فرنسا
وخلال جلسات المحكمة، دفعت وزيرة الداخلية بأن فرنسا، باعتبارها دولةً موقعةً على الاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية ضحايا الاتجار بالبشر، قادرة على التعامل مع هذه القضايا.
إلا أن المحكمة استمعت إلى أدلة أشارت إلى أن ضحايا الاتجار بالبشر الذين لا يحملون الجنسية الفرنسية أو لم يتعرضوا للاتجار داخل فرنسا لا يحصلون على مستوى الحماية نفسه، في حين يتمتع جميع ضحايا الاتجار بالبشر في بريطانيا بالحماية القانونية ذاتها.
شهادات تكشف معاناة طالبي اللجوء

استمعت المحكمة إلى روايات مؤثرة من طالبي اللجوء الخمسة.
وأوضح أحد طالبي اللجوء الإريتريين أنه احتُجز داخل مركز اعتقال تحت الأرض في ليبيا، حيث تعرض للاختطاف والضرب والحرمان من الطعام.
كما أفاد إريتريان آخران بأنهما احتُجزا قسرًا في ليبيا، وقال أحدهما إنه شاهد وفاة عدد كبير ممن كانوا معه، وأُجبر على نقل جثثهم في شاحنة وحفر قبورهم.
وقال طالب لجوء إريتري رابع إنه تعرض للاتجار بالبشر أربع مرات، من بينها اختطافه واحتجازه مقابل فدية في إثيوبيا، قبل أن يحتجزه جنود بيلاروسيون ويجبروه على حفر خنادق قرب الحدود مع بولندا.
أما طالب اللجوء السوداني، فأوضح أنه فر من الحرب بعدما هاجمت قوات الدعم السريع قريته وقتلت عددًا من أفراد أسرته.
مطالب بإعادة المرحَّلين إلى بريطانيا
وكانت وزارة الداخلية قد أعادت ثلاثةً من طالبي اللجوء الخمسة إلى فرنسا، فيما يطالب محاموهم الآن بإعادتهم إلى بريطانيا.
ورحبت إليزابيث كول، المحامية في مكتب Duncan Lewis، بالحكم، مؤكدةً أن تعديل سياسة الاتجار بالبشر أدى إلى إعادة أعداد كبيرةٍ من الأشخاص المستضعفين إلى فرنسا بصورة غير قانونية.
وأضافت أن وزيرة الداخلية مطالبة بالوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدة والقانون المحلي، والعمل على إعادة موكلها، وربما كثيرين غيره ممن أُبعدوا بصورة غير قانونية، إلى بريطانيا.
وقال أحد طالبي اللجوء الذين تمثلهم كول إنه يشعر باليأس، مؤكدًا أن وزارة الداخلية كانت تمتلك جميع الأدلة المتعلقة بقضيته، لكنها لم تقيّمها بالشكل الصحيح، معربًا عن اعتقاده بأنه لو جرى النظر في تلك الأدلة بصورة سليمة لما أُعيد إلى فرنسا.
انتقادات حقوقية واستئناف مرتقب

من جهتها، قالت إيما جين، مديرة منظمة Medical Justice الخيرية التي تعمل مع المهاجرين المحتجزين، إن الحكم يعكس ما وصفته بالنهج المشين الذي تتبعه الحكومة تجاه الناجين من الاتجار بالبشر، مضيفةً أن الأدلة الطبية التي يقدمها موكلو المنظمة تُتجاهل، وأن إفاداتهم بشأن تعرضهم للاتجار تُعامل باعتبارها عقبةً أمام تنفيذ قرارات الترحيل.
وفي المقابل، أكد متحدث باسم وزارة الداخلية أن الادعاءات المتعلقة بالعبودية الحديثة التي تُقدَّم في اللحظات الأخيرة يجب ألا تُستخدم لتعطيل ترحيل المهاجرين الموجودين في البلاد بصورة غير قانونية، مشيرًا إلى أن الحكومة تعمل على تعديل القوانين لمنع الادعاءات المشكوك فيها، مع الحفاظ على الحماية اللازمة لمن يستحقها.
وأضاف المتحدث أن وزيرة الداخلية شابانا محمود ستتقدم باستئناف للطعن في الحكم الصادر عن المحكمة.
المصدر: theguardian
إقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇