العرب في بريطانيا | الرعاية الخاصة للأطفال في بريطانيا: كيف تفتح ال...

الرعاية الخاصة للأطفال في بريطانيا: كيف تفتح الأسر العربية بيوتها لطفل يبحث عن الأمان؟

الرعاية الخاصة للأطفال في بريطانيا: كيف تفتح الأسر العربية بيوتها لطفل يبحث عن الأمان؟

صور توضيحية مولدة بالذكاء الاصطناعي

فريق التحرير أكتوبر 16, 2026
شارك

لا يعرف أحد في إنجلترا اليوم كم طفلًا يعيش في بيت ليس بيت والديه ولا بيت أحد أقاربه، بموجب اتفاق خاص بين الأهل وأسرة أخرى. فقد توقفت وزارة التعليم البريطانية عن جمع هذه البيانات منذ عام 2015، بعدما رأت أن الأرقام المجردة لا تكشف شيئًا عن جودة الرعاية ولا تسهم فعليًا في حماية الأطفال. ومنذ ذلك الحين تصف منظمة CoramBAAF، المتخصصة في التبنّي والرعاية الأسرية، هؤلاء الأطفال بأنهم فئة كثيرًا ما تبقى بعيدة عن الأنظار.

ومع اقتراب يوم التوعية بالرعاية الخاصة الذي تنظمه المنظمة في الرابع من نوفمبر 2026، يعود السؤال إلى الواجهة: من هؤلاء الأطفال؟ ومن يتابع سلامتهم؟ وما الذي يمكن أن تقدمه الأسر العربية والمسلمة في بريطانيا، وكثير منها نشأ أصلًا على ثقافة التكافل واستضافة ابن الصديق أو ابن القريب البعيد حين تضيق به الظروف؟

الإجابة تبدأ من فهم القانون؛ لأن النية الطيبة وحدها لا تحمي الطفل، ولا تحمي الأسرة التي تستقبله.

ما المقصود بالرعاية الخاصة؟

تعرّف المادة الـ66 من قانون الأطفال لعام 1989 (Children Act 1989) الرعاية الخاصة (Private Fostering) بأنها ترتيب يعيش فيه طفل دون السادسة عشرة، أو دون الثامنة عشرة إذا كان من ذوي الإعاقة، في رعاية شخص بالغ ليس والده ولا والدته، ولا يحمل المسؤولية الأبوية عنه، وليس من أقاربه بالتعريف القانوني. ويُشترط أن يستمر الترتيب، أو يُخطط لاستمراره، 28 يومًا أو أكثر.

والأقارب المستثنون من هذا النظام محددون في القانون: الأجداد، والإخوة والأخوات، والأعمام والعمات والأخوال والخالات، سواء كانت القرابة بالدم أو بالمصاهرة، إضافة إلى زوج الأم أو زوجة الأب. أما ابن العم، أو العمة الكبرى، أو صديق العائلة، أو أسرة زميل الدراسة، فرعايتهم للطفل تُعدّ رعاية خاصة تخضع للقانون.

وهذا ما يجعل الموضوع أقرب إلى حياة العرب في بريطانيا مما يبدو. فالطفل الذي يرسله أهله من الخارج للدراسة ويقيم عند أسرة صديقة، والمراهق الذي ينتقل للعيش عند أسرة صديقه بعد خلاف عائلي، والطفل الذي يعمل والداه خارج البلاد ويبقى في رعاية معارفهم، كلهم قد يكونون في ترتيب رعاية خاصة دون أن تعرف أسرهم أن للقانون كلمة في الأمر.

ما الذي يفرضه القانون على الأهل والأسرة المضيفة؟

تحدد لائحة الأطفال (الترتيبات الخاصة للرعاية) لعام 2005، السارية في إنجلترا وحدها، واجبات واضحة على الطرفين. فعلى الشخص الذي ينوي رعاية الطفل، وعلى الوالدين أو من يحمل المسؤولية الأبوية، إبلاغ المجلس المحلي قبل ستة أسابيع على الأقل من بدء الترتيب، أو فورًا إذا كان الترتيب سيبدأ خلال أقل من ستة أسابيع. وبعد أن ينتقل الطفل فعلًا إلى البيت الجديد، يجب تأكيد ذلك للمجلس خلال 48 ساعة.

أما إذا كان الطفل يعيش بالفعل مع أسرة لم تُبلغ أحدًا، فالواجب القانوني هو إبلاغ المجلس فورًا. ولا ينبغي أن يخشى الأهل هذه الخطوة، فهدفها التحقق من سلامة الطفل، لا معاقبة من أحسن إليه.

وبعد الإبلاغ يزور موظف من المجلس البيت، ويلتقي الطفل والأسرة، ويقيّم مدى ملاءمة الترتيب. وتنص اللائحة على أن تتكرر هذه الزيارات في السنة الأولى، كلما أمكن ذلك، بفاصل لا يزيد على ستة أسابيع. ويلتزم مقدم الرعاية بإبلاغ المجلس خلال 48 ساعة بأي تغيير مهم، مثل الانتقال إلى عنوان جديد أو انضمام شخص جديد إلى البيت، وكذلك عند انتهاء الترتيب.

وتختلف القواعد في اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية، لذلك يحتاج المقيمون هناك إلى مراجعة الجهات المختصة في مناطقهم.

هل يفقد الوالدان حقوقهما؟

لا. فالرعاية الخاصة لا تنقل المسؤولية الأبوية إلى الأسرة المضيفة. يبقى الوالدان صاحبي القرار في الشؤون الكبرى لحياة طفلهما، مثل التعليم والعلاج والسفر، أما الأسرة المضيفة فتتولى الرعاية اليومية ضمن ما اتُّفق عليه.

لكن الصورة تتغير حين يكون الوالدان قد توفيا، أو توجد أوامر قضائية، أو نزاع على المسؤولية الأبوية. وفي هذه الحالات لا يكفي اتفاق شفهي، بل تحتاج الأسرة إلى مشورة قانونية متخصصة والتواصل مع خدمات الأطفال في المجلس المحلي.

ليست الطريق الوحيدة لرعاية طفل يحتاج إلى بيت

يخلط كثيرون بين الرعاية الخاصة وغيرها من أشكال الاحتضان، وهذا الخلط قد يقود الأسرة إلى المسار الخطأ. فالطفل الذي فقد والديه ولا يوجد من يحمل المسؤولية الأبوية عنه لا يدخل تلقائيًا في الرعاية الخاصة، وأول ما يجب فعله هو التواصل مع خدمات الأطفال في المجلس المحلي.

وهناك إلى جانب الرعاية الخاصة مساران رئيسان. الأول هو رعاية الأقارب والمعارف (Kinship Care)، حين يعيش الطفل مع فرد من أسرته الممتدة أو شخص يعرفه. وهي ليست تصنيفًا قانونيًا واحدًا، فقد تكون ترتيبًا عائليًا، أو رعاية معتمدة ضمن النظام الرسمي، أو ترتيبًا بأمر من المحكمة. وتشير CoramBAAF إلى أن الرعاية الخاصة باتت تدخل ضمن تعريف رعاية الأقارب، ما يعني أن الأطفال فيها والأسر التي ترعاهم يحق لهم الحصول على الدعم العام المتاح لأسر رعاية الأقارب.

أما المسار الثاني فهو الرعاية البديلة المعتمدة (Foster Care)، حيث تتقدم الأسرة إلى المجلس المحلي أو إلى وكالة رعاية مستقلة، وتخضع لتقييم وتدريب وموافقة رسمية، ثم تستقبل أطفالًا تحت رعاية المجلس، لفترات قصيرة أو طارئة أو طويلة.

تكشف الأرقام الرسمية أن نظام الرعاية البديلة في إنجلترا يمر بضغط متزايد. فبحسَب بيانات هيئة أوفستد (Ofsted)، بلغ عدد مقدمي الرعاية المعتمدين في إنجلترا 56,345 في مارس 2025، بعد أن خسر النظام 7,545 منهم منذ عام 2021، في تراجع مستمر للعام الرابع على التوالي.

وتقدّر شبكة الرعاية البديلة (The Fostering Network) أن المملكة المتحدة تحتاج إلى 6,000 أسرة حاضنة إضافية خلال عام 2026 وحده، مع حاجة خاصة إلى أسر تستقبل المراهقين ومجموعات الإخوة. وتوضح الشبكة أن نحو عُشر مقدمي الرعاية يتقاعدون أو يستقيلون كل عام، وأن أبرز أسباب تركهم هي ضعف الدعم من جهات الرعاية، وقلة التقدير من المهنيين الآخرين، والإرهاق.

وفي فبراير 2026 أعلنت الحكومة خطة لإصلاح نظام الرعاية البديلة، تضمنت بحسَب ما أوردته النائبة ريبيكا سميث تخصيص 88 مليون باوند لتوفير 10 آلاف مكان إضافي للأطفال في إنجلترا، وتسهيل انضمام العاملين بدوام كامل إلى صفوف مقدمي الرعاية.

ما الذي يمكن أن تقدمه الأسرة العربية؟

الرعاية الخاصة للأطفال في بريطانيا: كيف تفتح الأسر العربية بيوتها لطفل يبحث عن الأمان؟

تستطيع الأسرة التي تشارك الطفل لغته أو ثقافته أن تمنحه شيئًا ثمينًا: أن يسمع لغة أهله في البيت، وأن يجد على المائدة طعامًا يعرفه، وأن لا يضطر إلى شرح عاداته كل يوم. لكن هذا ليس قاعدة مطلقة. فالمعيار الذي يعتمده القانون والمختصون هو مصلحة الطفل الفضلى، أي احتياجاته الفردية، ورغباته، وسلامته، واستمرار علاقاته المهمة.

ولذلك لا يصح افتراض أن كل طفل عربي أو مسلم يحتاج بالضرورة إلى أسرة من خلفيته، ولا أن الحفاظ على هويته يعني فرض ثقافة الأسرة المضيفة عليه. فالطفل الذي ينتقل إلى بيت جديد يحمل معه حزنه وخوفه وأسئلته، حتى حين يكون الانتقال خيرًا له. ويحتاج إلى وقت ليشعر بالأمان، وإلى بالغين يستمعون إليه، ويحترمون خصوصيته، ولا يميزون بينه وبين أبنائهم، ولا ينشرون قصته أو صورته دون موافقة وأساس قانوني.

دور المساجد والجمعيات

يمكن للمساجد والمراكز والجمعيات العربية والإسلامية أن تكون جسرًا بين الأسر والجهات الرسمية، من خلال نشر مواد توعوية باللغة العربية، وتنظيم لقاءات مع موظفي خدمات الأطفال للإجابة عن أسئلة الأسر، ودعوة الأسر القادرة إلى الاطلاع على فرص أن تصبح أسرًا حاضنة معتمدة، ومساندة الأسر بعد أن تبدأ رحلة الرعاية.

غير أن هناك خطًا أحمر لا ينبغي تجاوزه. فهذه المؤسسات ليست جهة لمطابقة الأطفال مع الأسر، ولا يجوز أن تتحول إلى قنوات لتداول أسماء الأطفال أو تفاصيل ظروف عائلاتهم. فبيانات الأطفال سرية، وأي إحالة يجب أن تمر عبر الجهات المختصة.

من أين تبدأ الأسرة؟

الخطوة الأولى بسيطة: التواصل مع فريق خدمات الأطفال (Children’s Services) في المجلس المحلي، ويمكن معرفة المجلس المختص عبر خدمة Find your local council على موقع الحكومة GOV.UK. وعلى الأسرة أن تشرح وضعها بوضوح، وتسأل عن المسار المناسب لحالتها، سواء كان رعاية خاصة أو رعاية أقارب أو رعاية بديلة معتمدة، وعن التقييم والتدريب والدعم المالي والعملي المتاح.

أما الأسر التي تريد معرفة المزيد قبل اتخاذ أي قرار، فيمكنها التواصل مع خط Fosterline الذي تديره شبكة الرعاية البديلة، أو حضور فعاليات يوم التوعية بالرعاية الخاصة المجانية التي تنظمها CoramBAAF في الرابع من نوفمبر.

وما لا ينبغي فعله هو البحث عن طفل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو استقبال طفل في ترتيب غير واضح قانونيًا، أو الاكتفاء باتفاق شفهي حين يكون الطفل بحاجة إلى حماية عاجلة.

تنظّم منصة العرب في بريطانيا ضمن سعيها للتواصل مع المجالس المحلية ووكالات الرعاية لقاءات مفتوحة باللغة العربية يطرح فيها الآباء والأمهات أسئلتهم مباشرة على المختصين. ويقتصر دور المنصة في ذلك على التوعية وتيسير التواصل، دون أي تدخل في اختيار الأطفال أو ترتيب انتقالهم.

فالرحمة التي تدفع أسرة إلى فتح بيتها لطفل غريب قيمة كبيرة، لكنها تبلغ تمامها حين تسير في الطريق الصحيح. وقد يبدأ ذلك كله بمكالمة واحدة مع المجلس المحلي، وسؤال صادق: كيف يمكن لبيتنا أن يكون مكانًا آمنًا لطفل يحتاج إليه؟

اترك تعليقا

↑