العرب في بريطانيا | أطفال غزة والطائرات الورقية.. حين يصبح اللعب حق...

حين يُخيفهم ورقٌ وخيط… ماذا أبقوا لأطفال غزة؟

حين يُخيفهم ورقٌ وخيط… ماذا أبقوا لأطفال غزة؟
ريم العتيبي سبتمبر 4, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

أيعقل ما يحدث؟! أم أنه خبر من بين تلك الأخبار التي تجعلنا نفتح أعيننا على اتساعها، ونقترب من الشاشة قليلًا، ونقرأ شريط الأخبار مرة، ثم نعيد قراءته لنتأكد أننا فهمنا الكلمات كما ينبغي؟

نركّز أكثر. نبحث عن تفصيل ربما غاب عنا، عن كلمة تغيّر المعنى، ثم لا نملك إلا أن نقول: مستحيل، بكل ما تحمل معاني الدهشة من تعبير.

لكننا نعيش، على ما يبدو، في زمن لم يعد للمستحيل فيه مكان. زمن يمكن فيه لأبسط الأشياء وأكثرها براءة أن تدخل فجأة في حسابات الحرب والخوف والتهديد. زمن قد يصبح فيه لعب طفل خبرًا مؤثرًا، وقد تتحول قطعة من الورق وبعض الأعواد والخيوط إلى شيء يستدعي كل هذا القلق.

مجرد ورق خفيف، وأعواد صغيرة، وخيط تمسك به يد طفل يركض ويرفع رأسه نحو السماء، وأخوه المبتورة قدمه يصرخ وهو يوجهه: من هنا، اركض يا أخي، انطلق عكس مهب الرياح… وآخر مبتور يقول لأخته: تمسكي يا حبيبتي بخيط الطائرة بكل قوتك.

أطفال يصنعون السعادة من بين الركام، يتجاهلون كل قصص الإبادة، ويبحثون عن شيء واحد لم تستطع الحرب أن تنتزعه منهم بعد: لحظة فرح، لحظة لترميم نفسياتهم التي حطمتها بكل صور البشاعة حربٌ شوّهت ذاكرتهم إلى الأبد.

حين يحاول أطفال غزة استعادة السماء

فالسماء التي ارتبطت في ذاكرة كثير من أطفال غزة بأصوات الطائرات والقصف، يحاولون أن يصنعوا معها حكاية أخرى؛ أن ينظروا إليها لأن طائرة ورقية ترتفع فيها، لا لأن صوتًا مخيفًا يأتي منها، ولا لأن من تبقى من أقاربهم قالوا لهم: هناك يسكن أحباب فارقونا.

أن يركضوا وعيونهم إلى أعلى وهم يضحكون، لا وهم يبحثون عن مصدر الصوت أو عن مكان يحتمون فيه من بطش العدو. حتى عندما أرادوا أن ينتزعوا من ذاكرتهم صورة السماء بوصفها مكانًا للزنانات فقط، جعلوها أيضًا مكانًا لألعاب صنعوها وفرحة أوجدوها.

ورق، وأعواد، وخيوط… أشياء بسيطة جدًا، لكنها في يد طفل قد تصنع عالمًا صغيرًا من السعادة. لا يحتاج إلى لعبة باهظة الثمن، ولا إلى مدينة ألعاب، ولا إلى رحلة بعيدة. يحتاج إلى مساحة يركض فيها، وشيء من الريح، وخيط يتركه يمتد بين أصابعه، وطائرة ورقية ترتفع أمام عينيه.

للحظات قليلة، كل ما يريده أن يفعل ما يفعله الأطفال في كل مكان: أن يلعب وحسب، لا أن يتحول لعبه إلى خبر يتصدر قائمة أكثر الأخبار غرابة.

وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد طائرة ورقية: ماذا بقي لطفل عاش كل هذا الخوف حين تصبح حتى أبسط مساحة للعب محاطة بالقلق ومطالبة بمساءلة ظالمة؟

كيف يمكن لأم أن تنظر إلى بكرة الخيط في يد صغيرها، فتتمنى فقط أن يركض ويلعب ويعود إليها آمنًا؟ وكيف أصبح مجرد اللعب حلمًا لطفل لا يُفترض أن يحمل في سنواته الأولى سوى ألعابه ودفاتره وأمنياته الصغيرة، كأي طفل في هذه الحياة؟

طفل غزة لا يطلب الكثير. يريد أن يركض دون أن يصرخ أحد خلفه: انتبه. يريد أن يعود إلى أمه وثيابه متسخة من اللعب، لا أن تنتظر عودته وقلبها معلق بالخوف، ربما لن يعود. يريد أن يرفع رأسه إلى السماء بحثًا عن طائرته الورقية، لا عن طائرة حربية.

“طائرات ورقية من أجل فلسطين”

ومن هنا تأتي رمزية مبادرة “طائرات ورقية من أجل فلسطين”، التي دعت إليها “الأشرطة الحمراء” بالتعاون مع المنتدى الفلسطيني، والمقرر إقامتها يوم السبت 5 سبتمبر/أيلول في ريجنت بارك في لندن.

الفكرة بسيطة، لكن رسالتها أكبر بكثير من ورق وخيط.

سنأتي بأوراقنا وأعوادنا وخيوطنا، وسنكتب عليها رسائلنا إلى أطفال غزة. كلمات ربما لا تصل إليهم بالبريد، ولا تستطيع عبور الحواجز والحدود، فنرسلها بالطريقة التي يفهمها الأطفال أكثر من غيرهم: نرفعها إلى السماء.

سنكتب لهم، ثم نترك الريح تحمل كلماتنا فوق لندن.

ومن سماء بلد الانتداب الذي ترك في تاريخ فلسطين جرحًا لم يُغلق بعد، سترتفع طائرات صغيرة من الورق تحمل اليوم رسائل إلى أطفال فلسطين: نراكم. لم ننساكم. ومن حقكم، مثل أطفالنا، أن تلعبوا وأن تحلموا وأن تنظروا إلى السماء بلا خوف.

ستجتمع العائلات والأطفال، وسترتفع الطائرات الورقية في سماء دولة الانتداب تضامنًا مع غزة. سيحمل بعضها ألوان فلسطين، وستحمل أخرى كلمات ورسائل وإهداءات لأهل غزة والأسرى والرهائن.

كما وجّه المنظمون دعوة إلى المتطوعين الراغبين في المساعدة خلال يوم الفعالية للمشاركة في تنظيم نشاط “طائرات ورقية من أجل فلسطين”، على أن ينضم إلى مجموعة المتطوعين فقط من يستطيع الحضور والمساعدة بالفعل يوم السبت.

رسالة صغيرة أمام مأساة كبيرة

ربما تبدو المشاركة في فعالية كهذه شيئًا صغيرًا أمام حجم المأساة، لكن الرسائل الإنسانية لا تُقاس دائمًا بحجمها. أحيانًا تبدأ من طفل يحمل قلمًا ويلون طائرة ورقية، ومن أم تساعد صغيرها على كتابة كلمة لطفل لا يعرفه ولم يلتقِ به، ومن أب يمسك طرف الخيط قبل أن يتركه لابنه ليركض، ومن متطوع يمنح ساعات من يومه ليساعد في صنع مساحة من التضامن والفرح.

تخيلوا المشهد: أطفال يركضون فوق عشب ريجنت بارك، والطائرات الورقية ترتفع واحدة تلو الأخرى في سماء لندن.

على واحدة منها صورة طفل أسير.

وعلى أخرى جملة: “أعطوهم الطفولة”.

وعلى ثالثة قلب صغير بألوان علم فلسطين.

ورسالة رابعة كتبها طفل في لندن إلى طفل في غزة لن يعرف اسمه أبدًا، لكنه يعرف شيئًا واحدًا عنه: أنه، مثله، يحب أن يلعب.

طفل هنا يمسك الخيط، يركض ويضحك كلما ارتفعت طائرته أكثر، وفي مكان آخر من هذا العالم طفل في غزة يريد الشيء نفسه تمامًا: أن يركض دون قيود.

لا أن يركض هاربًا من صوت انفجار، ولا باحثًا عن مكان يحتمي فيه، بل أن يركض خلف طائرته الورقية. أن يرفع رأسه إلى السماء ليرى إلى أي ارتفاع وصلت، لا ليتساءل بخوف عمّا قد يأتي منها.

طفلان، وطائرتان من ورق، وسماء واحدة.

لكن المسافة بين طفل يستطيع أن يطلق طائرته بأمان، وآخر يحلم فقط بيوم عادي يستطيع فيه اللعب بلا خوف، تختصر حكاية أكبر بكثير من لعبة.

ليس مطلوبًا من الطفل أن يفهم السياسة، ولا الحدود، ولا الانتداب، ولا حسابات الحروب. من حقه أن تكون الطائرة الورقية بالنسبة إليه مجرد طائرة ورقية؛ لعبة صنعها بيديه، وأطلقها فضحك.

لقد أخذت الحرب من أطفال غزة الكثير.

فدعوا لهم الورق.

دعوا لهم الأعواد والخيوط.

دعوا لهم الرياح والسماء.

دعوا لهم شيئًا من طفولتهم.

ويوم السبت، سنكتب رسائلنا إليهم على ورق، ونثبتها على أعواد، ونربطها بخيط، ثم نرفعها في سماء لندن.

ربما لن تصل الطائرات الورقية من ريجنت بارك إلى غزة.

لكن رسائلها ستتجه نحوها.

وربما لن تغيّر قطعة من الورق العالم، لكن من المؤلم أن نكون قد وصلنا إلى زمن يصبح فيه الدفاع عن حق طفل في أن يمسك ورقة وخيطًا موقفًا يحتاج إلى أن يُقال بصوت عالٍ.

ولهذا سنقولها من سماء لندن:

أن يكون الطفل طفلًا ليس امتيازًا تمنحه السياسة، ولا حقًا تسقطه الحرب.

إنه أبسط حقوق الإنسان.

حتى لو كان ذلك الطفل من غزة.

 


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا