أزمة قروض الطلاب في بريطانيا: الحكومة تدافع عن تعديل الشروط وسط غضبٍ واسع
تواجه الحكومة البريطانية موجة متصاعدة من الانتقادات على خلفية التغييرات التي طرأت على نظام القروض الطلابية، في وقت يشعر فيه كثير من الخريجين بأنهم يتحملون أعباء مالية متزايدة نتيجة قرارات لم يكونوا يتوقعونها عند حصولهم على تلك القروض.
وبينما يتهم منتقدون الحكومة بتغيير قواعد اللعبة بعد سنوات من بدء السداد، تصر السلطات على أن القروض الطلابية ليست منتجات مالية تجارية بالمعنى التقليدي، بل ترتبط بمنظومة دعم حكومي واسعة تمنح الدولة الحق في تعديل بعض شروطها. وبين هذين الموقفين، يتسع الجدل بشأن العدالة، والثقة في السياسات العامة، وحدود مسؤولية الحكومة تجاه ملايين الخريجين.
قروض تُسدد… وديون تتزايد

يتمحور الجدل حول ملايين الخريجين في إنجلترا وويلز ممن حصلوا على قروض ضمن نظام “بلان 2″ (Plan 2)، إذ يجد كثير منهم أن المبالغ التي تُقتطع شهريًا من رواتبهم لا تكفي لمواكبة الفوائد المتراكمة على ديونهم.
ففي كثير من الحالات، تتجاوز الفوائد الشهرية قيمة ما يُسدد، ما يؤدي إلى تضخم إجمالي الدين بدلًا من تراجعه.
وازداد الجدل حدة بعد قرار وزيرة الخزانة، راشيل ريفز، تجميد الحد الأدنى للراتب الذي يبدأ عنده سداد قروض “بلان 2″ لـ3 سنوات، إلى جانب استمرار تطبيق معدلات فائدة تفوق التضخم على عدد كبير من هذه القروض.
الحكومة: ليست قروضًا تجارية

خلال جلسة للجنة الخزانة في مجلس العموم، رفض الوزراء الاتهامات التي اعتبرت التعديلات الأخيرة غير عادلة، مؤكدين أن طبيعة القروض الطلابية تختلف جذريًا عن القروض التجارية التقليدية.
وقالت كبيرة أمناء وزارة الخزانة، لوسي ريغبي: إن أقل من نصف الشباب في بريطانيا يلتحقون بالتعليم الجامعي، وإن الحكومة مطالبة بمراعاة “العدالة تجاه دافعي الضرائب بالكامل“.
وأضافت أن معظم الراغبين في الالتحاق بالجامعة لن يتمكنوا أصلًا من الحصول على قرض تجاري؛ لعدم امتلاكهم سجلًا ائتمانيًا كافيًا أو ضمانات مناسبة.
وتابعت: “القروض الطلابية، رغم تسميتها، تختلف اختلافًا كبيرًا عن القروض التجارية… وبسبب الدعم الحكومي الكبير الذي تحصل عليه؛ فإن للحكومة الحق في تغيير بعض شروطها“.
وأشارت إلى أن هذه القروض تتضمن مزايا لا توفرها الجهات التجارية، مثل إسقاط الدين في حالات محددة مرتبطة بالدخل، وشطب الرصيد المتبقي عند انتهاء مدة القرض.
اتهامات بانعدام العدالة

في المقابل، رأى منتقدو النظام أن تغيير شروط السداد بعد توقيع المقترضين على القروض يثير تساؤلات جدية عن العدالة والشفافية.
وقال خبير شؤون المستهلك، مارتن لويس: إن تعديل شروط هذه القروض “لن يكون مسموحًا به بالنسبة إلى أي جهة إقراض تجارية“، معتبرًا أن ذلك “يتعارض مع جميع أشكال قوانين حماية المستهلك“.
وخلال جلسات الاستماع البرلمانية، قال ناشطون إن كثيرًا من الخريجين يشعرون بأنهم تحولوا إلى “بقرة حلوب“، تُستخدم لتوفير التمويل اللازم لسياسات يستفيد منها كبار السن، مثل نظام الزيادة الثلاثية لمعاشات التقاعد الحكومية.
كما شبّه فيليب أوغار، الذي ترأس مراجعة الحكومة للتعليم بعد سن الـ18 في عام 2019، وضع الخريجين الحالي بفضائح سوء بيع تمويل السيارات ومنتجات التأمين على القروض.
غير أن وزيرة المهارات، جاكي سميث، رفضت هذا التشبيه، وقالت: “أعتقد أنه مخطئ… ولا أرى أن الوضع مماثل لتلك القضايا“.
عشرات الآلاف من الشكاوى

استجاب أكثر من 52 ألف شخص لدعوة اللجنة البرلمانية لتقديم الأدلة والشهادات بشأن نظام القروض الطلابية.
ووصف بعض المشاركين معدلات الفائدة بأنها “مبالغ فيها“، فيما أكد آخرون أنها “أعلى من فوائد الرهن العقاري” الذي يسددونه.
وأشار عدد من الخريجين إلى أنهم تلقوا ضمانات سابقة بأن حدود السداد سترتفع بما يتماشى مع معدلات التضخم، قبل أن تتغير تلك السياسات لاحقًا.
وتعكس هذه الشهادات مدى خيبة الأمل التي مُني بها كثير من المقترضين، لا سيما أولئك الذين يواصلون السداد منذ سنوات من دون أن يشهدوا انخفاضًا ملموسًا في إجمالي ديونهم.
ماذا تقول الحكومة؟

أكد متحدث باسم الحكومة البريطانية أن السلطات تدرك مخاوف بعض الخريجين بشأن تكلفة سداد القروض الطلابية، وتتفهم أسباب اعتبار هذه القضية ذات أهمية كبيرة.
وقال: “لقد ورثنا النظام الحالي، واتخذنا خطوات لجعله أكثر عدالة، من بينها رفع حد السداد للمرة الأولى منذ عام 2021، ووضع سقف لمعدلات الفائدة القصوى هذا العام لحماية الخريجين من ارتفاع التكاليف“.
وأضاف أن الحكومة أعادت العمل بمنح الإعالة الموجهة، مشيرًا إلى أن النظام الحالي “يحمي الخريجين ذوي الدخل المنخفض“، من خلال ربط قيمة السداد بمستوى الدخل، مع شطب أي رصيد متبقٍ من أصل الدين والفوائد عند انتهاء مدة القرض.
بين حماية الخريجين وأموال دافعي الضرائب

يكشف الجدل المتصاعد بشأن القروض الطلابية عن انقسام أعمق في طبيعة العلاقة بين الدولة والخريجين.
فالحكومة ترى أن الدعم الذي تقدمه يبرر إعادة النظر في بعض شروط السداد بما يحقق التوازن مع مصالح دافعي الضرائب، في حين يعتبر منتقدوها أن تغيير القواعد بعد بدء تطبيقها يقوض الثقة في السياسات العامة، ويحمّل الخريجين أعباء لم تكن جزءًا من توقعاتهم الأصلية.
وفي ظل استمرار التحقيق البرلماني، يبقى السؤال مطروحًا: هل تنجح بريطانيا في إصلاح نظام القروض الطلابية بما يحقق قدرًا أكبر من العدالة للطرفين، أم أن الضغوط المتزايدة ستدفع نحو إعادة النظر في النظام بأسره؟
المصدر: الغارديان
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇