أبرز عادات الدول العربية في عيد الأضحى.. هل ما زالت موجودة؟
تتعدد المسميات وجوهر الفرح واحد، حيث يستقبل العالم العربي عيد الأضحى المبارك، أو ما يعرف في بلدان المغرب العربي بالعيد الكبير وعيد الفداء، بفيض من الطقوس الممتدة عبر القرون.
ورغم ما يشهده العصر الحالي من تحولات تكنولوجية متسارعة وأزمات اقتصادية ألقت بظلالها على القدرة الشرائية للمواطن العربي، فإن التمسك بالعادات والتقاليد المرتبطة بهذه المناسبة الدينية يمثل خط الدفاع الأخير عن الهُوية والتلاحم الاجتماعي.
يرصد هذا التقرير الموسع ملامح الاحتفال بعيد الأضحى في جغرافيا العالم العربي، متنقلًا بين المشرق والخليج والمغرب العربي، ومحللًا مدى صمود هذه الطقوس أمام عاديات الزمن.
تبدأ ملامح العيد من تآلف الجغرافيا العربية خلف شعيرة واحدة وهي صلاة العيد ونحر الأضاحي، إلا أن التفاصيل اليومية داخل البيوت والأزقة تمنح كل مجتمع نكهته التراثية الخاصة.
العيد في جمهورية مصر العربية

ترتبط الأيام السابقة للعيد بحركة دؤوبة في أسواق الماشية، وقد توارث المصريون في بعض المناطق، لا سيما الريفية والصعيد، طقوسًا مميزة مثل تزيين مقدمة الأضحية بالحناء وتعطيرها قبل الذبح؛ تعبيرًا عن إكرام هذه الشعيرة.
وعقب الصلاة، يبرز مشهد غمس الأكف في دماء الأضحية وطبعها على واجهات البيوت، وهي عادة تراثية يرى فيها الأهالي إشهارًا للفرح والبركة، وإعلانًا عن وجود طعام وصدقات للمحتاجين في هذا البيت.
وتتحول المائدة المصرية في الصباح الباكر إلى مسرح لطبق الفتة الشهير المكون من الأرز والرقاق واللحم الممزوج بالثوم والخل، إلى جانب طبق الكبدة الإسكندري الذي يعد القاسم المشترك لإفطار أول أيام العيد.
العيد في دول الخليج العربي

يتخذ العيد طابعًا يدمج بين الوقار الديني والعمق القبلي والتراثي. ففي المملكة العربية السعودية، يجتمع أفراد العائلات في بيت عميد الأسرة لمشاهدة طقس النحر، وتنشغل النساء بإعداد وجبة الإفطار التقليدية المعروفة باسم الحميس، التي تتكون من قطع من لحم ورئة وكبد الأضحية المطهوة على نار هادئة مع الشحم والتوابل المحلية.
وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، تبرز فوالة العيد، وهي المائدة الرئيسة المخصصة لاستقبال المهنئين، وتضم تشكيلة غنية من الحلويات والأطباق الشعبية مثل الهريس والعريس والخبيص واللقيمات والبلاليط، مصحوبة بالقهوة العربية المطيّبة بالهال والزعفران.
أما في مملكة البحرين، فيحافظ الأطفال على تقليد تراثي فريد يُعرف باسم الحية بيه، حيث يعمد الصغار قبل العيد بأيام إلى زراعة نباتات صغيرة في قُفَف من خوص النخيل، وفي ليلة عيد الأضحى يتوجهون إلى الشواطئ؛ ليرددوا أهازيج شعبية قبل إلقاء هذه الزروع في البحر، كرمز للتضحية والفداء وتمني عودة حجاج بيت الله الحرام سالمين.
العيد في بلاد الشام والعراق واليمن

يتداخل المطبخ التقليدي مع الزيارات العائلية المكثفة. ويتميز العراق بإعداد الكليجة، وهي المعجنات الوطنية المحشوة بالتمر أو الجوز والمسكوف، والتي تتشابه في تكوينها مع المعمول الشامي التراثي الذي تحرص العائلات في سوريا والأردن ولبنان وفلسطين على خبزه في البيوت قبل العيد بأيام.
وتعد الشاكرية، المكونة من اللحم المطهو باللبن والنشاء والمقدمة مع الأرز، عروس المائدة السورية في عيد الأضحى، في حين يتربع المنسف بالجميد الكركي على عرش الموائد الأردنية باعتباره رمزًا لأصالة الضيافة.
وفي اليمن، يبدأ العيد بمهرجان المصافحة الجماعية في الساحات عقب الصلاة؛ لتعزيز التسامح والمحبة، وتوزع جعالة العيد المكونة من المكسرات والزبيب والحلويات على الأطفال، في حين تنطلق الرقصات الفلكلورية الحماسية بالخناجر اليمانية التقليدية مثل رقصة البراعة والدراج.
العيد في دول المغرب العربي

فإن لعيد الأضحى خصوصية فلكلورية وثقافية شديدة التميز.
ففي تونس والجزائر والمغرب، لا تغيب أكلة العصبان عن الموائد، وهي عبارة عن أمعاء وكرشة الأضحية المحشوة باللحم المفروم والأرز والأعشاب العطرية، إضافة إلى طبق القلاية التونسي وبولفاف المغربي المكون من الكبد الملفوف بالشحم المشوي.
وتبرز في المغرب والجزائر طقوس شعبية مثل كحل العيد، حيث تعمد بعض النساء إلى تكحيل عيني الكبش بالإثمد أو تزيين رأسه بالحناء قبل ذبحه بيوم؛ احتفاءً به.
ومن أغرب المظاهر التراثية التي ما زالت تقاوم الاندثار في بعض القرى والمحافظات المغربية طقس بوجلود أو بيلماون، حيث يحرص الشباب بعد يوم النحر على جمع جلود الأضاحي وارتدائها، والتنقل في مواكب شعبية بين الأزقة؛ لإضفاء أجواء من الفكاهة والمسرح الشعبي الفلكلوري.
وعند التساؤل عن مدى استمرارية هذه العادات في أيامنا هذه، يظهر الواقع الاجتماعي والاقتصادي الراهن حالة من التباين؛ إذ تواجه هذه المظاهر صراعًا حادًّا بين التمسك بالهُوية وضغوط الحياة المعاصرة.
الدراسات الاجتماعية الميدانية والتقارير الاقتصادية

وتؤكد الدراسات الاجتماعية الميدانية والتقارير الاقتصادية أن طقوس ذبح الأضاحي شهدت تراجعًا نسبيًّا في المراكز الحضرية الكبرى مقارنة بالريف والمناطق التقليدية، وذلك بسبب الارتفاع القياسي في أسعار المواشي وتراجع المداخيل، ما دفع فئات من الطبقة المتوسطة إلى الاستغناء عن النحر أو الاستعاضة عنه بشراء اللحوم بالوزن، أو اللجوء إلى منظومة الصكوك وتفويض الجمعيات الخيرية بذبح الأضاحي خارج البلاد أو في المسالخ المركزية، وهو ما غيّب مشهد تجمع العائلة حول الأضحية في فناء المنزل وجفف بعض الطقوس المرتبطة بدمائها وجلودها.
من جهة أخرى، ساهمت وتيرة الحياة السريعة والهجرة من الريف إلى المدن، وتعاظم دور شبكات التواصل الاجتماعي، في تحوير طبيعة التواصل التهويدي؛ فقد تقلصت الزيارات العائلية الممتدة التي تشمل الأحياء بأسرها، وحلت محلها في كثير من الأحيان رسائل المعايدة الرقمية والمكالمات المرئية، لا سيما بين المغتربين وعائلاتهم.
كما أن عادات مثل صناعة الحلويات والمعجنات في المنازل كالمعمول والكليجة تراجعت جزئيًّا؛ بسبب المنتجات الجاهزة من المخابز لتوفير الوقت والجهد، وغابت مظاهر مثل زيارة المقابر الجماعية صبيحة العيد في بعض المجتمعات؛ نتيجة التغير في الأنماط السلوكية للجيل الجديد.
ورغم هذا التراجع وتحول العيد في بعض الأوساط إلى عطلة للاستجمام والسفر السياحي بدلًا من الطقوس الأسرية التقليدية، فإن روح عيد الأضحى وجوهر التكافل الاجتماعي لا يزالان حاضرين بقوة.
وتتجلى مظاهر التمسك بالتراث في حرص العائلات على شراء الملابس الجديدة للأطفال، والحفاظ على تقديم العيدية كقيمة مالية تُدخِل البهجة والسرور على قلوب الصغار والنساء، واستمرار الموائد الكبرى التي تجمع الأقارب في اليوم الأول. إن هذه العادات -وإن طرأ عليها التعديل والتحديث لتتناسب مع متطلبات العصر الحالي- تظل حلقة وصل أساسية تربط الإنسان العربي بجذوره الثقافية وقيمه الدينية القائمة على العطاء والتراحم البشري.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇