وصيّة إلى النفس قبل الانكسار: إيّاك أن تستخفّ بنفسك
إيّاك أن تستخفّ بنفسك، لأنّك إنسان.
والإنسان لا يُقاس بما يملكه، ولا بما فاته، ولا بما قيل عنه، وإنّما بما يستطيع أن ينهض به بعد كلّ انكسار.
الاستخفاف بالنّفس سلوكٌ داخليٌّ يتسلّل بصمت. يبدأ بجملة صغيرة: «أنا أقلّ من غيري»، ثمّ يكبر حتّى يصبح نظرةً ثابتةً إلى الذات، نظرة تُقزِّم الإمكانات، وتُفرّغ الجهد من معناه، وتحوّل المحاولة إلى عبء. وهو في جوهره شكلٌ خفيّ من الظّلم؛ ظلم الإنسان لنفسه قبل أن يظلمه الآخرون.
كثيرون لا يُهزمون في المعارك الكبرى، ولكن يُهزمون في تلك المساحة الخفيّة داخلهم، حين يصدّقون أنّهم لا يستحقّون، أو أنّ أحلامهم أكبر من قدرتهم، أو أنّ أصواتهم لا تُسمَع. وهنا تبدأ الخسارة الحقيقيّة؛ لأنّ السّائر عليه قرّر مسبقاً أنّه لن يصل.
ولو أنّ العظماء استسلموا لهذا الصّوت الدّاخليّ، لما تغيّر وجه العالم.
توماس إديسون، مثلاً، لم يُولد عبقريّاً كما تُقدّمه الحكايات المختصرة. وُصِف في طفولته بأنّه «بطيء الفهم»، وفشل آلاف المرّات قبل أن ينجح في اختراع المصباح الكهربائي. لكنّ إديسون لم يسمح للفشل أن يُعرّفه، بل أعاد تعريف الفشل نفسه، وقال جملته الشّهيرة: «لم أفشل، بل اكتشفت آلاف الطّرق الّتي لا تعمل». ما أنقذ إديسون لم يكن الذكاء وحده، ولكن رفضه أن يستخفّ بنفسه حين لم يؤمن به أحد.
إيّاك أن تستخفّ بنفسك لأنّك لا ترى ثمارك بعد.
فبعض الجذور تعمل في العتمة طويلاً قبل أن يظهر أثرها. وليس كلّ تأخير فشلاً، ولا كلّ صمت فراغاً. أحياناً، تكون أكثر مراحل النموّ خفاءً هي الأصدق، لأنّها لا تُنجَز من أجل التّصفيق، إنّما من أجل البقاء.
إنّ مقارنة النّفس بالآخرين أحد أكثر أبواب الاستخفاف اتّساعاً. ترى حياة غيرك من الخارج، وتنسى أنّك تعيش حياتك من الدّاخل. ترى نتائجهم، ولا ترى فوضاهم، ترى قممهم، ولا ترى الطّرق الوعرة الّتي سلكوها. فتُصدر حكماً قاسياً على نفسك، وكأنّ لكلّ الأرواح الظّروف ذاتها، وكأنّ العدالة تُقاس بالسّرعة لا بالتحمّل.
تأمّل في تجربة نيلسون مانديلا. سبعة وعشرون عاماً قضاها في السّجن، كان يمكن أن تكون كافية لتحطيم أيّ إنسان. لكنّ مانديلا لم يسمح للزنزانة أن تختصر قيمته، ولم يصدّق أنّ الزمن الّذي ضاع يعني أنّه انتهى. خرج أكثر إيماناً بذاته، لا بروح الانتقام، ولكن بقوّة المعنى، ولم يكن عظيماً لأنّه لم يُقهَر، بل لأنّه رفض أن يرى نفسه مهزوماً.
إيّاك أن تستخفّ بنفسك لأنّك تأخّرت.
التأخّر لا يعني العجز، يعني أنّ طريقك مختلف. وبعض الطّرق لا تُفتح إلّا لمن يملك الصّبر الكافي لعبورها. النّضج يُقاس بالوعي، والوعي غالباً يولد من التّجربة، والتّجربة تحتاج وقتاً، وألماً، وتردّداً، وسقوطاً، ونهوضاً.
حتّى في عالم الأدب، حيث يُظنّ أنّ الموهبة وحدها تكفي، نرى مثال ج. ك. رولينغ، التي رُفضت مخطوطتها مراراً، وعاشت فقراً وضيقاً نفسيّاً قاسياً، قبل أن تُغيّر قصّة واحدة حياتها. لم يكن نجاحها نتيجة لحظة حظّ، كان ثمرة إصرار طويل، وإيمان بأنّ صوتها يستحقّ أن يُسمَع، رغم كلّ الرفض.
إيّاك أن تستخفّ بنفسك لأنّك أخطأت؛ لأنّ
الخطأ دليل محاولة. ومن لا يخطئ غالباً لا يتحرّك، ثمّ إنّ أكثر النّاس قسوة على أنفسهم هم أولئك الّذين يطالبون ذواتهم بالكمال، وينسون أنّ الكمال وهم، وأنّ الإنسان خُلق ليتعلّم، لا ليُتقن منذ البداية.
احذر من الصّوت الدّاخليّ الّذي يجلدك باسم الواقعيّة، ويثنيك عن الحلم باسم الحكمة، ويُقنعك أنّ القليل يكفي لأنّ الكثير ليس لك. هذا الصّوت صدى خوفٍ قديم، أو تجربة فشل لم تُشفَ بعد.
إيّاك أن تستخفّ بنفسك لأنّ أحدهم لم يرَ قيمتك.
القيمة لا تسقط إذا لم تُكتشَف، واللّؤلؤ لا يفقد ندرته لأنّ أحدهم مرّ عليه ولم يلتقطه. بعض النّاس لا يملكون القدرة على الرّؤية، لا لأنّك غير مرئيّ، بل لأنّ عيونهم مشغولة بأنفسهم.
إنّ احترام الذات يعني الاعتراف بالحدود دون احتقارها، وبالقدرات دون تضخيمها، وبالضّعف دون خجل. يعني أن تقول: «أنا أتعلّم» بدل «أنا فاشل»، و*«أنا في الطّريق»* بدل «أنا متأخّر».
إيّاك أن تستخفّ بنفسك في لحظات التّعب.
فالتّعب لا يكشف حقيقتك، ولكن يكشف حاجتك للرّاحة. وليس كلّ توقّف هزيمة، ولا كلّ تراجع انسحاباً. أحياناً، تكون أصدق أشكال الشّجاعة أن تعترف بأنّك مرهق، وأن تمنح نفسك حقّ التوقّف دون شعور بالذنب.
وتذكّر دائماً:
أنت لست ما قيل لك في لحظة غضب.
ولست ما فشلت فيه مرّة.
ولست أسوأ فكرة راودتك عن نفسك في ليلة ضعف.
أنت مجموع محاولاتك، وصبرك، وقدرتك على الاستمرار رغم الشكّ.
وأنت، ما دمت تحاول، تستحقّ أن تؤمن بنفسك.
فإيّاك… ثم إيّاك…
أن تنظر إلى ذاتك بعينٍ أقلّ رحمة من تلك الّتي تنظر بها إلى الآخرين.
اقرأ أيضًا:
- من خوف الاختلاف إلى حكمة التنوّع
- 2026… بداية سنة جديدة
- لا تُحمِّل نفسك ما لا طاقة لك به… ما دام كلُّ شيءٍ سيجري
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇

شكرا للاستاذة اميرة عليان تبلو.
نصائح جيدة وواقعية
اتمنى على. كل من يعرف شخص بحاجة لهذه النصائح ان يبعثها اليه بدلا من صباح الخير او جمعة مباركة اذ هي افيد وتدل على اهتمام اكبر
🌹🌿🌿