العرب في بريطانيا | السقوط الدراماتيكي السريع للرئيس الفنزويلي في ع...

1447 رجب 22 | 11 يناير 2026

السقوط الدراماتيكي السريع للرئيس الفنزويلي في عيون الإعلام البريطاني

IMG-20260103-WA0050
فريق التحرير January 3, 2026

في ساعات قليلة، وجدت فنزويلا نفسها في صدارة التغطية الإخبارية البريطانية، بعد تطورات وُصفت بأنها من الأكثر دراماتيكية في تاريخ أميركا اللاتينية الحديث. حدثٌ صادم أعاد إلى الأذهان نماذج قديمة من التدخلات الخارجية، وطرح أسئلة ثقيلة حول الشرعية، والسيادة، وحدود القوة في النظام الدولي المعاصر.

فبينما توالت التصريحات الأميركية التي تحدثت عن “عملية واسعة” استهدفت القيادة الفنزويلية، سارعت غرف الأخبار البريطانية إلى التعامل مع المشهد بحذرٍ واضح، واضعة الحدث في إطار استثنائي لا يشبه الانقلابات التقليدية، ولا الانتقالات السياسية التي تُدار من الداخل، بل أقرب إلى لحظة كسر حاد في ميزان السيادة.

ومنذ اللحظات الأولى، بدا أن الإعلام البريطاني يتعامل مع ما جرى بوصفه زلزالًا سياسيًا مفاجئًا، لا مجرد تغيير في رأس السلطة. زلزال تتجاوز ارتداداته حدود فنزويلا، ليطال مفهوم النظام الدولي ذاته.

تغطية عاجلة بنبرة متحفّظة

في التغطيات الإخبارية الأولى، سيطرت لغة التحفظ على التقارير البريطانية. فالمفردات المستخدمة كانت حذرة، مشبعة بعبارات من قبيل “بحسب الرواية الأميركية” و”لم يتسنَّ التحقق بشكل مستقل”، في إشارة واضحة إلى إدراك المؤسسات الإعلامية حساسية اللحظة، وخطورة الانجرار وراء رواية واحدة في ظل تضارب المعلومات.

ركّزت التقارير على ما أمكن تثبيته ميدانيًا: سماع دوي انفجارات في محيط العاصمة كاراكاس، تحليق مكثف للطائرات، وإعلانات فنزويلية عن “عدوان عسكري” وفرض حالة طوارئ. وفي المقابل، جرى التعامل مع الحديث عن “اعتقال الرئيس” بوصفه ادعاءً سياسيًا كبيرًا يحتاج إلى تدقيق، لا حقيقة ناجزة.

هذا التوازن بين نقل الوقائع والتحفّظ على الاستنتاجات شكّل سمة مشتركة لمعظم وسائل الإعلام البريطانية في الساعات الأولى.

الصحف الكبرى: الحدث بين القانون والسياسة

الغارديان: ما الذي نعرفه؟ وما الذي يعنيه ذلك؟

(Guardian)

اختارت صحيفة الغارديان مقاربة تقوم على التفكيك لا الإثارة. فبدل الاكتفاء بسرد التطورات، انطلقت إلى طرح سؤالين مركزيين: ما الذي نعرفه فعليًا حتى الآن؟ وماذا يعني ذلك قانونيًا وسياسيًا؟

في تقاريرها التحليلية، شددت الصحيفة على أن أهمية الحدث لا تكمن فقط في مصير الرئيس الفنزويلي، بل في كونه اختبارًا صريحًا لمنظومة القانون الدولي. هل يمكن لدولة كبرى أن تنفذ عملية عسكرية تؤدي إلى إسقاط رئيس دولة أخرى ونقله خارج البلاد، من دون تفويض دولي؟ وهل يُفتح بذلك باب جديد لشرعنة تغيير الأنظمة بالقوة؟

كما أولت الغارديان مساحة واسعة لردود الفعل الدولية، خصوصًا تلك التي حذّرت من سابقة خطيرة، وطالبت بتوضيحات حول الأساس القانوني لما جرى.

التايمز: عملية محسوبة أم مقامرة كبرى؟

(The Times)

في المقابل، مالت التايمز إلى لغة أكثر عسكرية، مقدّمة الحدث بوصفه “عملية خاصة” ذات أبعاد أمنية دقيقة. برز في تغطيتها التركيز على تفاصيل ميدانية، وعلى روايات تتحدث عن دور قوات خاصة، في إطار سردية ترى في ما حدث فعلًا حاسمًا أنهى مرحلة سياسية طويلة في فنزويلا.

غير أن هذه المقاربة لم تغفل التساؤل عمّا سيأتي بعد “السقوط”، ومدى قدرة البلاد على تجنب الفوضى، في ظل فراغ سياسي محتمل وانقسام داخلي عميق.

فايننشال تايمز: صدمة جيوسياسية

(Financial Times)

أما فايننشال تايمز، فقد وضعت الحدث في سياق أوسع، بوصفه تحولًا جيوسياسيًا كبيرًا، له انعكاسات على أسواق الطاقة، والتحالفات الإقليمية، وتوازن القوى في أميركا اللاتينية. وبدت فنزويلا، في هذا السرد، جزءًا من لوحة عالمية أكبر تتشابك فيها السياسة بالقوة والنفوذ.

شرح الحدث وترويض الصدمة

في القنوات التلفزيونية، خصوصًا سكاي نيوز، قُدّمت التغطية عبر مسارين متوازيين: شرح تفصيلي لما جرى، ثم تحليل لما يعنيه ذلك. لم يكن الهدف مجرد نقل الخبر، بل احتواء الصدمة عبر ربط الحدث بسياق أوسع من التوتر الأميركي المتصاعد في المنطقة.

ظهرت عناوين من قبيل: “كيف وصلنا إلى هنا؟” و”لماذا يُعد ما حدث غير مسبوق؟”، في محاولة لفهم اللحظة لا استهلاكها.

بين الشرعية والأمن وتغيير النظام

عند تفكيك اللغة المستخدمة في التغطية البريطانية، يمكن رصد ثلاثة محاور أساسية:

  • محور القانون والشرعية: حيث تكررت مفاهيم السيادة، القانون الدولي، ميثاق الأمم المتحدة، والمساءلة.
  • محور الأمن والمخدرات: في استحضار واضح للرواية الأميركية التي ربطت العملية باتهامات تهريب المخدرات والجريمة المنظمة.
  • محور تغيير النظام: حيث ظهرت مفردات الإطاحة والانتقال القسري للسلطة، خصوصًا في المنابر ذات الخطاب الأيديولوجي الأكثر حدة.

هذا التداخل اللغوي عكس انقسامًا في قراءة الحدث: هل هو إجراء أمني، أم تدخل سياسي، أم سابقة خطيرة تعيد تعريف قواعد اللعبة الدولية؟

لندن الرسمية: تبرؤ وتحفّظ

على المستوى الرسمي، سعت الحكومة البريطانية إلى النأي بنفسها عن الحدث. فقد أكد رئيس الوزراء كير ستارمر أن بلاده لم تكن طرفًا في العملية، مشددًا على ضرورة احترام القانون الدولي، وداعيًا إلى توضيح الوقائع كاملة قبل إصدار الأحكام.

هذا الموقف عكس حرص لندن على عدم الانزلاق إلى مواجهة سياسية أو قانونية، في لحظة تبدو فيها ملامح النظام الدولي أكثر هشاشة من أي وقت مضى.

هذا ورفض رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إدانة الهجوم، مشيرًا إلى أنه بحاجة إلى الاطلاع على جميع الحقائق قبل التعليق على اعتقال الرئيس الفنزويلي من قبل الولايات المتحدة.

واكتفى ستارمر بالقول: “ما يمكنني قوله في الوقت الحالي هو أن بريطانيا لم تشارك بأي شكل من الأشكال في هذه العملية”.‬

قصة أكبر من شخص

في المحصلة، لم يتعامل الإعلام البريطاني مع ما جرى في فنزويلا بوصفه مجرد “سقوط رئيس”، بل كحدث مفصلي يفتح أسئلة كبرى حول مستقبل العلاقات الدولية، وحدود القوة، ومعنى السيادة في عالم لم تعد فيه القواعد ثابتة.

وبينما تباينت الزوايا وتعددت السرديات، بقي خيط مشترك واضح في التغطية البريطانية: الحذر من تحويل الحدث إلى رواية مكتملة قبل أن تتضح الوقائع، والقلق من أن يكون ما جرى مؤشرًا على عالم يتجه، مرة أخرى، إلى منطق القوة العارية بدل القانون.

 


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا

آخر فيديوهات القناة