قمة السخرية.. ناظم الزهاوي يطلب الامتنان بعد انضمامه لليمين المتطرف
يصرّ سياسيّو هذه المرحلة على تذكيرنا، مرة بعد أخرى، بأنهم ليسوا مضطرين أصلًا إلى خوض غمار السياسة. ألسنا محظوظين إلى هذا الحد؟
أعتذر عن الحكم المبكر، لكن يبدو أن أسوأ موضة سياسية في عام 2026 هي السياسي الذي يتعامل مع العمل العام بوصفه مِنّة يتفضّل بها على الناس.
فقد قال نايجل فاراج، يوم الاثنين، وهو يقدّم أحدث الوافدين إلى حزب “ريفورم يو كيه” ناظم الزهاوي: “هو لا يحتاج إلى أن يكون هنا. كان بإمكانه أن يغادر إلى الخارج”.
يا له من كرم! شكرًا لك يا ناظم لأنك قررت البقاء بيننا!
لمن لم يتابع التفاصيل: وزير الخزانة المحافظ السابق، الذي لم يلبث طويلًا في منصبه، قرر الانتقال من قطار إلى آخر. وإن بدا التعبير أشبه بحركة بهلوانية خطرة من سلسلة أفلام “مهمة مستحيلة” (Mission: Impossible)، فالحقيقة أقل تشويقًا بكثير. قطار المحافظين توقّف، وفاراج مستعد لإيقاف قطار “ريفورم” في أي محطة، أو حتى بين المحطات، لالتقاط أي اسم سياسي مستهلك قد تتذكرونه من مشاهد مثل “تعيينات بوريس جونسون في لحظاته الأخيرة”، أو “إسطبلات الخيول أدفأ من بيوت المتقاعدين”.
وبالطبع، يسارع فاراج إلى طمأنتنا بأن هؤلاء ليسوا بضاعة مستعملة، بل “مُحبَّبة سابقًا”. قطع تراثية، معتّقة، وربما ازدادت قيمتها مع الزمن. إنهم، باختصار، حقائب “بيركين” في عالم السياسة.
لكن انتبهوا: أنتم محظوظون فقط لأنكم سُمح لكم بالمشاهدة. لا تفكّروا في لمس ما لا تملكون ثمنه. فحزب فاراج بات يزدحم بشخصيات تحرص على إبلاغ الجمهور بأنها تمتلك بدائل أرقى بكثير من السلطة، وأنها لا تحتاج فعلًا إلى خوض هذا المستنقع.
“لا نحتاج السياسة”.. حين تتحول السلطة إلى مِنّة

وفاراج نفسه المثال الأبرز. ففي عام 2016 أعلن أنه “يريد استعادة حياته”، قبل أن يعود مرارًا من تقاعده المعلن، مقدّمًا كل عودة باعتبارها تضحية مؤلمة كان في غنى عنها. هو لا يحتاج إلى هذا، تذكّروا!
ولا يختلف عنه كثيرًا ريتشارد تايس، نائب زعيم الحزب، الذي لا يفوّت فرصة للتأكيد بأن دخله التجاري يغطي كل شيء، وأن السياسة “تكلّفه فقط”.
(وبين قوسين، لنتوقف لحظة عند تايس: رجل أعمال ناجح، قاد الحزب نحو صعود لافت في استطلاعات الرأي، ثم سلّم القيادة بكل انضباط لفاراج العائد أبديًا من التقاعد. ومع ذلك، يرفض فاراج تعيينه في أي موقع اقتصادي بارز، مفضّلًا انتظار محافظ “بالمقاس المناسب”. كأن نايجل يكنّ له مودة شخصية، لكنه لا يراه من “اللاعبين الجديين”).
نصل الآن إلى ناظم الزهاوي نفسه، الذي أمضى مؤتمره الصحفي الأخير يذكّرنا بأن رجل أعمال ناجحًا مثله كان بإمكانه الاستمتاع بتقاعد مريح، لكنه اختار بدلًا من ذلك الانضمام إلى “ريفورم”، في ما يشبه عملاً خيريًا وطنيًا.
لكن هل نحن فعلًا أمام واحد من كبار المحسنين في عصرنا؟ أم أمام سياسي محترف في اقتناص المكاسب، سبق أن شملت علاقته بالمال العام عدم دفع ضرائبه، والمطالبة بتعويضات عن تدفئة وإضاءة إسطبلات ممتلكاته في وارويكشير؟
تفصيل لا يخلو من دلالة، خصوصًا لأنصار “ريفورم” الذين قد يعجز بعضهم اليوم عن تشغيل التدفئة. فالزهاوي كان النائب الذي حصل على أعلى تعويضات طاقة لمنزل ثانٍ من المال العام، واضطر لاحقًا إلى إعادتها، تمامًا كما اضطر إلى تسوية ملفه مع مصلحة الضرائب بعد إخفاء التحقيق في شؤونه، وهو ما انتهى باستقالته من وزارة الخزانة.
وما يلفت النظر أن هذه العقلية (عقلية “السياسة تحتاجني أكثر مما أحتاجها”) لا تتوقف عند القمة.
ففي المستويات الأدنى من الحزب، برزت الحالة ذاتها مع إيان كوبر، الذي استقال من رئاسة مجلس مقاطعة ستافوردشير بعد تعليق عضويته إثر الكشف عن صلات حسابات مرتبطة به بصفحات تفوّق عرقي أبيض، إلى جانب منشورات اعتبر فيها أن “المهاجرين أو أبناء الجيل الأول لا ينبغي أن يجلسوا في البرلمان”.
وعندما طُرح سؤال عن صمت زملائه، رد كوبر ببرود متعالٍ: “الميزة أنني لا أحتاج إلى السياسة من أجل المال. أستطيع الانسحاب بلا عواقب”.
يا له من زمن غريب، يُقدَّم فيه العيش بلا تبعات بوصفه مؤهلًا سياسيًا! لم يكن الخطاب العام هكذا من قبل، حيث يصرّ المسؤولون على أنهم أكبر من هذا العمل، ولا يمارسونه إلا من باب الإحسان للناس. إنها إعادة تعريف مذهلة للخدمة العامة في عصر الفردانية المفرطة، والمفارقة أن أصحابها لا يبدو أنهم واعون لما يفعلون.
من فاراج إلى ترامب: وهم السياسي الذي لا يحتاج إلى الحكم

هذا الخطاب لا يقتصر على “ريفورم”. فقد روى روري ستيوارت أن سؤاله لديفيد كاميرون كان صريحًا: “هل تريدني؟ لأن لدي بدائل. لدي منصب في هارفارد. لا أحتاج إلى هذا”.
أما “عدم الحاجة”، فكان حجر الأساس في صعود دونالد ترامب، الذي لم يتوقف عن تذكير الناخبين بأنه بنى إمبراطورية ولا يحتاج إلى الرئاسة. إمبراطورية ازدادت ثراءً، بالمناسبة، خلال فترتي حكمه، ما ينسف الفكرة التي روّج لها رائد هذا الخطاب، روس بيرو، حين خاض انتخابات 1992 بوصفه ثريًا إلى حد يستحيل معه أن يكون فاسدًا. (وللمفارقة، سمّى حزبه لاحقًا… “ريفورم” ما يعني “الإصلاح”).
في استطلاع حديث، قال 74% من الناس في بريطانيا وأوروبا والولايات المتحدة وكندا واليابان إن العالم “مصمَّم بلا أمل لصالح الأغنياء”.
ومع ذلك، يُطلب منا تصديق أن منقذينا هم رجال يذكّروننا باستمرار بأنهم ناجحون إلى درجة أنهم لا يحتاجون حتى إلى المحاولة. إنهم يفعلون ذلك من أجلنا نحن، وعلينا أن نسير خلفهم في ما وصفه الزهاوي بـ”ثورة فاراج المجيدة”.
يبقى السؤال: هل هناك دروع لهؤلاء الجنود، وهم يُساقون نحو أرضٍ موعودة بلا عواقب؟
على الأرجح، ستقول لنا النخبة في القمة إنها تعمل على الأمر.
وكل ما يُطلب منا، كالعادة، هو… الثقة.
المصدر: الغارديان
الرابط المختصر هنا ⬇
