من السودان إلى الكاميرون.. أزمات منسية يجهلها كثيرون في بريطانيا
في عالم يزداد فيه عدد النازحين قسرًا بوتيرة غير مسبوقة، لا تزال فجوة الوعي في بريطانيا واسعة على نحو لافت. فبينما تُدفع ملايين العائلات إلى مغادرة منازلها تحت وطأة الحروب والكوارث المناخية والفقر، يظل جزء كبير من هذه المآسي بعيدًا عن اهتمام الرأي العام البريطاني، كأنها تحدث في عالم آخر.
نزوح عالمي… وغياب إدراك محلي

يتجاوز عدد النازحين حول العالم اليوم 117 مليون شخص، لكن أقل من واحد من كل عشرة بالغين في بريطانيا على دراية ببعض أكثر الأزمات الإنسانية إهمالًا، وهي الأزمات التي تدفع عائلات بأسرها إلى الفرار من ديارها.
في الصومال وإثيوبيا والكاميرون وبوركينا فاسو وموزمبيق، تهرب العائلات من النزاعات المسلحة والكوارث المناخية وتفاقم الفقر، وفي الغالب تضطر للنزوح أكثر من مرة، لتنتهي بها الحال في مخيمات مكتظة أو مساكن مؤقتة هشة.
فجوة الوعي بالأرقام
تكشف دراسة حديثة مدى اتساع هذه الفجوة. فمن بين 2000 بالغ في بريطانيا شملهم الاستطلاع، لم تتجاوز نسبة من يعرفون ما يجري في موزمبيق والكاميرون 8 في المئة فقط، مع أن مجتمعات كاملة هناك أُجبرت على الفرار من العنف.
الوعي كان أعلى قليلًا في حالات أخرى، إذ قال 12 في المئة إنهم على دراية بما يحدث في بوركينا فاسو، و28 في المئة بإثيوبيا، و37 في المئة بالصومال.
الدراسة أُنجزت بتكليف من مؤسسة شيلتربوكس (ShelterBox)، وهي منظمة إغاثة بريطانية تعمل حاليًّا في الدول الخمس، التي تُعد من بين أكثر الأزمات الإنسانية إهمالًا على مستوى العالم.
استجابة إنسانية في قلب الأزمات

تقدّم مؤسسة شيلتربوكس الدعم للنازحين بسبب النزاعات وأزمة المناخ وغيرها من الكوارث، عبر توفير المأوى الطارئ ومستلزمات أساسية مثل فلاتر المياه والمصابيح التي تعمل بالطاقة الشمسية.
وفي هذا السياق، أطلقت المؤسسة سلسلة من الصور التي توثّق واقع العائلات النازحة، من بينها قصة نوريا، التي اضطرت للفرار من قريتها الريفية في الصومال بعدما دمّر الجفاف مصدر رزقها.
رحلة هروب بلا نهاية
سافرت نوريا سيرًا على الأقدام مئات الكيلومترات إلى مدينة بيدوا، وسط حرارة خانقة وأمطار غزيرة، وهي تعتني بأطفالها، إضافة إلى أطفال آخرين تبنّتهم بعد أن فقدوا عائلاتهم.
غير أن هذا الملاذ لم يدم طويلًا، إذ أجبرها تجدد القتال على النزوح مرة أخرى، مع الأطفال العشرة الذين كانت ترعاهم.
تقول نوريا:
“هذا النزوح كان نتيجة فترة مؤلمة من الحرب، وليس مثل الصعوبات المعتادة التي يفرضها الجفاف. من دون منزل حقيقي، جعلت الأمطار الغزيرة حياتنا شديدة الصعوبة. كنا عالقين تحت المطر، بلا مأوى”.
دعم يعيد بعض الاستقرار

نوريا واحدة من 34 ألف شخص تلقوا دعمًا من مؤسسة جوبا (Juba Foundation) وشيلتربوكس في الصومال. وهي تعيش اليوم في مأوى متين بإطار خشبي، وتملك أدوات مطبخ لإعداد الطعام، ومصباحًا يعمل بالطاقة الشمسية يسمح للعائلة بقضاء الوقت معًا مساءً، إلى جانب مستلزمات أساسية أخرى.
كما حصلت على اتفاقية حق انتفاع بالأرض لخمس سنوات، التي تمنح عائلتها قدرًا من الأمان والاستقرار دون خوف من الإخلاء.
جهل واسع… ورغبة في الفهم
ومع أن الدراسة أظهرت أن 88 في المئة من المشاركين لا يدركون الحجم الحقيقي للنزوح العالمي، فإنها حملت مؤشرًا إيجابيًّا، إذ قال 46 في المئة إنهم يرغبون في معرفة المزيد حتى يتمكنوا من المساعدة.
في المقابل، أقرّ 11 في المئة بأنهم لم يسمعوا من قبل بمصطلح “النزوح” في سياق إنساني، في حين قال 51 في المئة إن نقص معرفتهم يعود إلى أن هذه الأزمات “لا تؤثر عادة على بريطانيا”.
وأرجع آخرون السبب إلى انشغال الإعلام بأحداث أخرى (42 في المئة)، أو إلى ضعف الفهم بطبيعة المناطق المتأثرة (32 في المئة).
يقول إيوان كروشاو، مدير البرامج الدولية في شيلتربوكس:
“من السهل أن ننسى أو نجهل ما يحدث في العالم، ولا سيما في هذا الوقت من العام. هذه الأرقام تُظهر حجم المشكلة، لكنها تكشف أيضًا أمرًا باعثًا على الأمل، وهو أن الناس يريدون أن يكونوا أكثر اطلاعًا”.
ويضيف:
“هناك ملايين القصص مثل قصة نوريا، لعائلات تحمّلت ما يفوق طاقتها، ولا تحتاج إلا إلى قدر يسير من الدعم لتبدأ من جديد”.
قصة أخرى من الكاميرون
من بين هذه القصص حكاية آبي، البالغة من العمر 18 عامًا، والتي تعيش في مخيم ميناواو في الكاميرون. وُلدت آبي في بانكي بنيجيريا، وانفصلت عن والدتها وهي في الثانية من عمرها، قبل أن تهرب في سن الثامنة مع نعومي، المرأة التي ربّتها وتصفها بـ“جدتها”.
هربت العائلة من العنف متنقلة بين مدن على الحدود النيجيرية الكاميرونية، إلى أن وصلت إلى ميناواو، حيث ما تزال تعيش بعد مرور عقد كامل.
اضطرت آبي إلى ترك المدرسة لإعالة نعومي وشقيقتها الصغرى ساراتو، البالغة 12 عامًا، بعدما تضرر المأوى المؤقت الذي كنّ يعشن فيه بسبب ظروف مناخية قاسية.
تقول آبي:
“الحياة هنا جيدة عمومًا، لكنها أصبحت أصعب مع الوقت. أتذكر أنني قبل مجيئي إلى ميناواو كنت أعيش في بانكي بنيجيريا وأذهب إلى المدرسة. ثم بدأ الناس يفرّون بسبب الحرب”.
وتضيف:
“أخبرتني جدتي أننا طُردنا من منزلنا وصودرت ممتلكاتنا على يد جماعة بوكو حرام (Boko Haram). عانينا لفترة طويلة قبل أن نجد بعض الاستقرار هنا”.
دعم محلي طويل الأمد

قدّمت شيلتربوكس ومنظمة بابليك كونسيرن (Public Concern) الدعم لآبي ولعشرات غيرها في الكاميرون، من خلال توفير مواد بناء وتدريب، ضمن استجابات مصممة بحسب احتياجات كل أزمة.
وتتنوع هذه الاستجابات بين خيام ومجموعات إصلاح المساكن، وصولًا إلى ملاجئ أكثر ديمومة، قادرة على تحمّل الفيضانات أو درجات الحرارة المرتفعة.
ما الذي تكشفه فجوة الوعي؟
تشير منصة العرب في بريطانيا (AUK) إلى أن هذه الأرقام تسلط الضوء على مفارقة حادة: أزمات إنسانية هائلة تُهجّر ملايين البشر وتدمّر مجتمعات بأسرها، لكنها تبقى خارج دائرة الاهتمام العام في دول غربية كبرى. وبينما لا يشعر كثيرون في بريطانيا بأن هذه الكوارث تمسّ حياتهم مباشرة، تكشف قصص مثل نوريا وآبي أن النزوح ليس رقمًا مجردًا، بل واقع يومي يتطلب تضامنًا أوسع وفهمًا أعمق يتجاوز حدود الجغرافيا.
المصدر: فالماوث باكت (Falmouth Packet)
اقرأ أيضاً
الرابط المختصر هنا ⬇
