العرب في بريطانيا | المتحف البريطاني.. حينما يغتال "التاريخ&qu...

1447 رمضان 3 | 20 فبراير 2026

المتحف البريطاني.. حينما يغتال “التاريخ” جغرافيا الحقيقة

المتحف البريطاني
عدنان حميدان February 20, 2026
Listen to the article
0:00 / 0:00
Powered by Moknah.io

لم يكن المتحف البريطاني (British Museum) يوماً مجرد مخزن للآثار، بل كان دائماً مرآةً تعكس رؤية “الإمبراطورية” للعالم. لكن أن يتحول هذا الصرح العريق إلى “ممحاة” تدار بأصابع سياسية لتزييف الجغرافيا، وتجريد التاريخ من سياقه، فهذا سقوط مدوٍ من علياء المهنية إلى وحل التبعية.

إن ما تناقلته الصور والتقارير مؤخراً حول رضوخ إدارة المتحف لضغوط “اللوبيات” الصهيونية، وتغيير مسميات المعالم والخرائط من “فلسطين” إلى “إسرائيل”، أو حصرها في مسميات “الضفة وغزة” في سياقات تاريخية لم تكن فيها تلك المسميات قد وُلدت بعد، ليس مجرد “خطأ فني” أو “تحديث بيانات”؛ بل هو عملية إبادة ثقافية ناعمة، تهدف إلى إكمال ما بدأه الرصاص على الأرض.

خطيئة “الأناكرونيزم”: إقحام “إسرائيل” في زمن الرومان والكنعانيين

من أبجديات العمل المتحفي والأكاديمي ما يسمى بالـ (Anachronism)، أي إسقاط مفاهيم أو مسميات حديثة على عصور قديمة لم تكن تعرفها. حينما يقوم المتحف البريطاني بوضع اسم “إسرائيل” على خرائط تعود لآلاف السنين، فإنه يرتكب جريمة علمية لا تغتفر.

فلسطين (Palaestina): هذا الاسم لم يخترعه “ياسر عرفات” ولا “حماس”، وإنّما هو الاسم الذي أطلقه الرومان على المنطقة، وقبلهم كانت أرض كنعان، التي تعتبر فلسطين المعاصرة هي الوريثة التاريخية والحضارية والبيولوجية لها.

التزوير المتعمد: أن يُمحى اسم فلسطين الذي استمر لقرون كتعريف جغرافي وسياسي واجتماعي، ليُستبدل بكيان لم يتجاوز عمره 78 عاماً في سياق عرض آثار عمرها 3000 عام، هو محاولة بائسة لشرعنة الاحتلال عبر “أرشفة” وجوده في الماضي الذي لم يتواجد فيه أصلاً.

تجاوز الموقف الرسمي: حين يزايد المتحف على الحكومة!

المتحف البريطاني في قلب الجدل الفلسطيني الاسرائيلي

إن الصور المستفزة التي وصلت إلينا، والتي تظهر فيها “فلسطين” وقد مُسحت من الذاكرة البصرية لزوار المتحف، لا يجب أن تُقابل ببيانات الاستنكار التقليدية فقط. نعم، العرائض مهمة كأداة ضغط شعبي، والتظاهر أمام المتحف ضروري لإيصال الرسالة، لكننا بحاجة إلى “هجوم مضاد” يتسم بالديمومة والاحترافية:

الاستجواب البرلماني: يجب دفع النواب الأحرار في البرلمان البريطاني (وهم كثر) لتقديم أسئلة برلمانية لوزارة الثقافة والإعلام والرياضة (DCMS) التي تشرف على المتحف، حول المعايير الأكاديمية المتبعة في هذا التغيير، ومدى توافقه مع القانون الدولي الذي يعتبر تلك الأراضي محتلة.

الحراك القانوني: المتحف البريطاني يخضع قوانين الجمعيات الخيرية والمؤسسات العامة، وأي تزييف للحقائق التاريخية بدافع سياسي يمكن أن يُواجه بدعاوى قضائية تتهمه بفقدان “الحيادية العلمية” وتضليل الجمهور.

المقاطعة الأكاديمية: يجب أن تتحرك الاتحادات الأكاديمية والباحثين في علم الآثار لمراسلة إدارة المتحف، وإبلاغهم أن هذا التصرف يسقط “المصداقية العلمية” للمتحف ويجعله مجرد أداة بروبغاندا.

الوعي.. سلاحنا الأخير

تحالف فلسطين في بريطانيا يدعو لمراسلة النواب قبل جلسة برلمانية حاسمة

إن محاولة محو اسم فلسطين من الخريطة داخل المتحف البريطاني هي اعتراف ضمني بأن “الرواية الصهيونية” تشعر بالرعب من الحقائق التاريخية. هم يدركون أن وجود اسم “فلسطين” بجانب آثار تعود لآلاف السنين ينسف أسطورة “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”.

إنهم لا يحاربون الحاضر فقط، بل يريدون تأميم الماضي لحساب طموحاتهم التوسعية.

بصفتنا مثقفين وناشطين، لن نسمح بأن يمر هذا التزوير مرور الكرام. فلسطين ليست مجرد “كلمة” يمكن شطبها بقرار من إدارة مرتعشة أمام اللوبي؛ فلسطين هي “الجغرافيا” التي تنطق بكل لغات التاريخ، وهي “الحقيقة” التي لن تحجبها جدران متحف في لندن.

رسالة إلى إدارة المتحف

التاريخ لا يُكتب بممحاة السياسيين، التّاريخ يكتب بدماء الشعوب وبقايا حضاراتهم. إن انصياعكم لضغوط اللوبي الصهيوني لن يغير من الحقيقة شيئاً، لكنه سيضع “المتحف البريطاني” في القائمة السوداء للمؤسسات التي خانت الأمانة العلمية وباعت الحقيقة لمن يدفع أو يضغط أكثر.

يا سادة، فلسطين كانت هنا قبل “بلفور”، وستبقى هنا بعد أن يرحل كل المزورين.

وهذا التاريخ الذي يُزوَّر اليوم في قاعات العرض، سيُستعاد غدًا في وعي الشعوب؛ لأن الحقيقة قد تُؤجَّل، لكنها لا تُمحى، وفلسطين ليست روايةً قابلة للتعديل، وإنّما ذاكرة عصيّة على الإلغاء.


اقرأ أيضًا:

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا