هل تغيّر بريطانيا موقفها من الإبادة الجماعية؟ تصاعد الضغوط القانونية على الحكومة
تدرس مجموعة جديدة من الخبراء القانونيين والبرلمانيين والأكاديميين في بريطانيا – تحت إشراف البارونة هيلينا كينيدي – آليات تشريعية جديدة قد تُلزم الحكومة البريطانية باتخاذ خطوات قانونية أكثر وضوحًا لمنع جرائم الإبادة الجماعية، وتحديد ما إذا كانت تحدث بالفعل، بدلاً من ترك هذا التقييم حصرًا للمحاكم الدولية.
وتحمل هذه المبادرة اسم “المجموعة الدائمة لجرائم الفظائع”، وتؤكد أنها لا تنبع من صراع محدد مثل غزة أو شينجيانغ، بل من قلق أوسع من تفشّي هذه الجرائم في وقت تتراجع فيه قوة القانون الدولي أمام النزاعات والحروب.
نحو مساءلة محلية مستقلة

ترى المجموعة أن الوقت قد حان لتعزيز مكانة القانون الدولي في بريطانيا، في مواجهة محاولات تقليص دوره، خاصة من قبل أطراف تنتقد المستشار القانوني العام ريتشارد هيرمر وتدفع نحو تقليص التزامات البلاد تجاه القوانين الدولية.
وتهدف المبادرة إلى تعزيز مكانة “منع الفظائع” كأولوية معلَنة في عمل وزارة الخارجية، التي تمتلك حاليًا وحدة مخصصة لهذا الغرض، لكنها لا تزال محدودة الموارد والتأثير.
ورغم إعلان الوزراء البريطانيين أن تحديد وقوع إبادة جماعية “ليس من صلاحيات الحكومة”، بل من اختصاص محكمة العدل الدولية أو المحكمة الجنائية الدولية، إلا أن الوقائع تشير إلى عكس ذلك.
ففي قضايا تصدير الأسلحة مؤخرًا، قُدِّمت استشارات قانونية خاصة للوزراء حول ما إذا كانت هناك إبادة جارية، من ضمنها رأي رسمي بعدم وجود إبادة جماعية في غزة عام 2024.
بالمقابل، تقوم دول أخرى مثل الولايات المتحدة بإصدار أحكام أحادية حول ما إذا كانت الإبادة تحدث – كما فعلت وزارة الخارجية الأمريكية مؤخرًا في حالة السودان.
مشروع قانون لتحديد الإبادة محليًّا

ستنظر المجموعة في مشروع قانون غير مسبوق بعنوان “قانون تحديد الإبادة الجماعية”، يهدف إلى إنشاء آلية عملية لمنع الإبادة.
وقد قدّم اللورد ديفيد ألتون نسخة من هذا القانون في مجلس اللوردات عام 2022، وينص على تشكيل لجنة برلمانية مستقلة يمكنها التوصية لمحكمة بريطانية بأن إبادة جماعية جارية، حتى إذا رفض وزير الخارجية اتخاذ قرار مماثل.
وفي حال أيّدت المحكمة وجود إبادة أو خطر حدوثها، سيُطلب من وزير الخارجية حينها توضيح الخطوات “المعقولة” التي تعتزم الحكومة اتخاذها، وتحديد آليات الإحالة إلى المحاكم الدولية أو الجهات ذات الصلة.
ويبرز هنا التناقض المركزي: فالمحاكم الدولية لا تتحرك إلا بعد وقوع الفظائع، بينما يتطلب المنع تدخلات سياسية واقتصادية وقانونية مسبقة من المجتمع الدولي.
دعم واسع من أطياف سياسية مختلفة

تضم اللجنة الاستشارية للمجموعة شخصيات بارزة من طيف سياسي متنوع، بينهم: ديفيد ألتون، ألفريد دوبس، أرمينكا هيليك، فيونا هودجسون، النواب ريتشارد فورد، بلير ماكدوغال، بريندان أُهارا، وليز ساغ.
ورغم تصاعد الاتهامات بارتكاب إبادة جماعية في غزة، شددت اللجنة على أن مبادرتها لا يجب أن تُختزل في سياق الصراع الفلسطيني، بل تنبع من حاجة أوسع لإصلاح شامل في أدوات الردع والوقاية من الجرائم الكبرى.
وقال النائب بلير ماكدوغال: “قبل 80 عامًا، اجتمع العالم لتأسيس مؤسسات تهدف إلى ردع العدوان وحماية المدنيين. وبينما نقترب من الذكرى، علينا الاعتراف بأن هذا النظام فشل مرارًا في منع ومعاقبة الفظائع. حان الوقت لنظهر عزيمة تليق بحجم هذه المسؤولية.”
وكان تقرير مشترك صادر عن اللجنة البرلمانية لحقوق الإنسان قد وصف نهج الحكومة في منع الجرائم الدولية – وعلى رأسها الإبادة الجماعية – بأنه “غير متسق ومبعثر”.
تثير هذه المبادرة تساؤلات جوهرية حول أخلاقية المواقف السياسية، وحدود المسؤولية القانونية البريطانية في عالم تتكرّر فيه جرائم الإبادة الجماعية.
إن التحجّج بالاختصاص القضائي الدولي لم يعد كافيًا، خاصة حين تتحوّل أدوات القانون إلى أعذار للشلل السياسي.
ما تقترحه اللجنة ليس تدخّلاً قضائيًّا فحسب، بل دعوة لعودة الضمير إلى السياسة الخارجية. فبريطانيا، بما تمتلكه من تاريخ استعماري معقّد وحاضر قانوني مؤثر، لا يمكن أن تظلّ متفرّجة على الجرائم باسم “انتظار حكم المحكمة”. نحن بحاجة إلى نظام قانوني مرن، شجاع، وقادر على الإنذار المبكر والتحرك الفوري، قبل أن يتحوّل الإنكار إلى تواطؤ… والصمت إلى مشاركة.
المصدر الغارديان
إقرأ أيضا
الرابط المختصر هنا ⬇
