ستارمر في مرمى الانتقادات: هل تواطأ مع ترامب في التصعيد ضد إيران؟
عندما شنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو العدوان الإسرائيلي على غزة في عام 2023، اصطف الحزبان البارزان في بريطانيا في جبهة سياسية مشتركة؛ دعماً لرئيس الوزراء الإسرائيلي.
رئيس الوزراء البريطاني آنذاك ريشي سوناك قدّم دعماً “غير مشروط” لنتنياهو. أما زعيم المعارضة حينها كير ستارمر فقد ذهب أبعد من ذلك عندما أيد خطط إسرائيل لفرض عقاب جماعي على الفلسطينيين في غزة. ورفض ستارمر الدعوة إلى وقف إطلاق النار حتى فبراير/شباط 2024، وهو وقت كان قد استشهد فيه عشرات الآلاف من المدنيين.
وفي اليمين المتطرف، أعلن كل من زعيم حزب “ريفورم يو كي” نايجل فاراج والناشط اليميني المتطرف تومي روبنسون دعمهما للعدوان الإسرائيلي، الذي وصفه معظم الخبراء اليوم أنه إبادة الجماعية.
وتوحّدت الأحزاب الكبرى في بريطانيا مرة أخرى في دعم إسرائيل عندما شنّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونتنياهو هجوماً عسكرياً على إيران يوم السبت.
لكن هذه المرة كان هناك اختلاف: فقد ظهر صوت معارضة واضح للحرب.
ولم يأتِ هذا الصوت من زعيمة حزب المحافظين كيمي بادينوك، المعروفة بدعمها القوي لإسرائيل والولايات المتحدة، كما لم يصدر عن فاراج أو التيار اليميني المتطرف.
فقد بدا اليمين المتطرف البريطاني، الذي يزعم الدفاع عن سيادة بريطانيا، خلال عطلة نهاية الأسبوع وكأنه تابع غير ناقد لحركة “ماغا” التابعة لدونالد ترامب في الولايات المتحدة.
ظهور لاعب جديد

جاءت المعارضة هذه المرة من شخصية سياسية جديدة لافتة على الساحة، هي زعيم حزب الخضر زاك بولانسكي.
فبعد أقل من 48 ساعة على تحقيق حزبه فوزاً تاريخياً على حزب العمال في الانتخابات الفرعية بدائرة غورتون ودينتون، برز بولانسكي بوصفه السياسي البريطاني الوحيد في الصفوف الأمامية الذي دعا صراحة إلى بقاء بريطانيا خارج الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، واصفاً إياها بأنها حرب غير قانونية وغبية ووحشية.
وفي وقت بدا فيه رئيس الوزراء ستارمر متردداً بينما كانت زعيمة حزب المحافظين تدفع باتجاه دعم ترامب، حذر بولانسكي سريعاً قائلاً: “نحن نواجه الآن خطر الانجرار إلى حرب أخرى غير قانونية في الشرق الأوسط”.
وأضاف: “الناس في هذا البلد لا يريدون ذلك، ولا ينبغي السماح بحدوثه”.
وقد وصف حزب العمال بولانسكي بأنه “متطرف”، كما ظهرت محاولات معتادة لتشويه سمعته واتهامه بمعاداة السامية، وهو اتهام يصعب الترويج له؛ نظراً لكون بولانسكي نفسه يهودياً.
لحظات حاسمة

لكن استطلاعات الرأي تشير إلى عكس ذلك. فقد أظهر استطلاع أجرته شركة يوغوف هذا الأسبوع أن نصف البريطانيين لا يريدون الانجرار إلى حرب يقودها ترامب -المدان جنائياً- ونتنياهو، الذي يواجه اتهامات بارتكاب جرائم حرب أمام المحكمة الجنائية الدولية. في المقابل، أيد 28 في المئة فقط هذه الحرب.
وكان ستارمر قد جعل بريطانيا شريكاً في إبادة غزة. والآن، جعلها أيضاً شريكاً في الحرب غير القانونية التي يخوضها ترامب ونتنياهو ضد إيران.
وقد أظهرت ردود الفعل الشعبية ذلك خلال عطلة نهاية الأسبوع، إذ حقق حزب الخضر بقيادة بولانسكي ارتفاعاً ملحوظاً في استطلاعات الرأي، متقدماً على حزب العمال.
وهذا ليس أمراً مفاجئاً.
ففي خضم الأزمات الدولية المتلاحقة، تظهر لحظات حاسمة تكشف معدن القادة الحقيقي.
لنقارن بين وضوح بولانسكي السريع وبين الأداء المرتبك لستارمر خلال عطلة نهاية الأسبوع.
لقد ارتقى بولانسكي إلى مستوى الحدث، في حين تردد ستارمر واكتفى ببيانات ملتبسة، ولم يتحرك بوضوح إلا بعد أن شعر بإهانة شخصية من ترامب.
ماذا لو؟

تخيل المشهد في مجلس العموم يوم الإثنين لو أن ستارمر أظهر الوضوح والشجاعة الأخلاقية اللذين أظهرهما بولانسكي.
كان يمكنه أن يدخل البرلمان لا للدفاع عن تراجعه المتأخر بشأن استخدام الولايات المتحدة للقواعد البريطانية، بل ليعرض رؤية قائمة على العدالة الدولية والكرامة الإنسانية.
وفي النهاية قال ستارمر: “لن نُشرك قواتنا العسكرية في أي عمل غير قانوني”.
لكن هذا التصريح جاء متأخراً جداً.
فلو قال هذه الكلمات مسبقاً، لكان بإمكانه حشد الدعم الشعبي، ووضع بريطانيا في موقع الفاعل المبدئي على الساحة الدولية، ومنح رئاسته للحكومة معنى سياسياً واضحاً.
لكن ستارمر يبدو، في نظر منتقديه، غارقاً في التناقضات.
حرب إبادة

فحكومته ترفض إدانة الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، لكنها تدين إيران عندما ترد.
كما أنه لا ينضم مباشرة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل في قصف إيران، لكنه يسمح للولايات المتحدة باستخدام القواعد العسكرية البريطانية لتسهيل هذه الحرب.
ويقول ستارمر: إن هذا “إجراء دفاعي”، لكن السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعد عسكرية بريطانية لا يمكن وصفه بأنه دفاعي.
ومن بين هذه القواعد قاعدة دييغو غارسيا العسكرية، التي يمكن استخدامها لاستضافة قاذفات القنابل الاستراتيجية من طراز بي-52.
وفي المقابل، رفضت إسبانيا السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها. وكان بإمكان ستارمر اتخاذ موقف مماثل، لكنه افتقر -بحسَب منتقديه- إلى الشجاعة، رغم أن ترامب يعامله بازدراء في كل الأحوال.
وكان لدى رئيس الوزراء البريطاني وقت كافٍ لتحديد موقفه، ولا سيما أن ترامب ألمح قبل أسابيع إلى القواعد البريطانية التي يحتاجها في حملته العسكرية.
وبحسَب منتقديه أصبح الرد الإيراني المحتمل على الجنود البريطانيين أو على حلفاء بريطانيا الذين تستضيف أراضيهم قواعد عسكرية مثل قبرص أمراً يمكن تبريره قانونياً وفق القانون الدولي.
وفي نظر هؤلاء، تتجه هذه الحرب نحو نمط من “حرب الإبادة”، حيث تستهدف إسرائيل والولايات المتحدة المدارس والمستشفيات والبنية التحتية المدنية، كما حدث في غزة.
ووفق هذا الطرح، فإن بريطانيا -بفضل سياسات حكومة ستارمر- أصبحت جزءاً من هذا المسار.
المصدر: ميدل إيست آي
إقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇
