العرب في بريطانيا | لا تُحمِّل نفسك ما لا طاقة لك به… ما دام كلُّ ش...

1447 رجب 25 | 14 يناير 2026

لا تُحمِّل نفسك ما لا طاقة لك به… ما دام كلُّ شيءٍ سيجري

لا تُحمِّل نفسك ما لا طاقة لك به… ما دام كلُّ شيءٍ سيجري
أميرة عليان تبلو December 29, 2025

في لحظةٍ ما من مسيرتنا، نكتشف أنّ أكثر ما أثقلنا لم يكن الأحداث نفسها، وإنّما طريقة تعاملنا معها. لم تكن الخسارات وحدها هي الّتي أنهكت الرّوح، كان إصرارنا على حمل ما يتجاوز قدرتنا، وعلى محاكمة أنفسنا على أمورٍ لم نكن نملك مفاتيحها. نعيش أحياناً وكأنّ علينا أن نضبط إيقاع الكون، أن نمنع الانكسارات، وأن نُعيد ترتيب ما اختلّ، متناسين حقيقة بسيطة وعميقة: ليس كلّ ما يحدث قابلاً للتحكّم، وليس كلّ ما يؤلمنا واجب الاحتمال.

إنّ تحميل النّفس ما لا طاقة لها به غالباً ما يتخفّى في ثوب الفضيلة. نُسمّيه مسؤوليّة، أو حرصاً، أو قوّة تحمّل، بينما هو في جوهره استنزافٌ بطيء.

نعتقد أنّ القلق دليل وعي، وأنّ التّفكير المفرط حراسة للمستقبل، فنمضي ليلنا نُعدّ سيناريوهات الخسارة، ونُرهق قلوبنا باحتمالاتٍ لم تقع وربّما لن تقع. وهكذا تتحوّل النّفس إلى ساحة صراع دائم، لا تهدأ فيها الأسئلة ولا تُمنح فيها الرّاحة حقّها.

لكنّ الحكمة لا تكمن في الإنكار، ولا في الهروب من الواقع، تكمن الحكمة في التّمييز.

أن نعرف أين ينتهي دورنا وأين يبدأ دور الزمن، أين يجب أن نُمسك الخيط، وأين علينا أن نتركه. التّسليم هنا وعيٌ بالحدود. هو أن تعمل بصدقٍ وإخلاصٍ، ثمّ تتوقّف عن جلد ذاتك لأنّ النّتائج لم تُشبه ما تمنّيت. فالحياة لا تُدار بالنّيات وحدها، ولا تُكافئ دائماً أكثر النّاس اجتهاداً، تمضي وفق قوانين أعقد من حساباتنا الفرديّة.

ما دام كلّ شيءٍ سيجري، فلماذا نُحمّل أنفسنا عبء السّيطرة المطلقة؟ لماذا نُعاقب قلوبنا على تأخّر الفرج، أو على تغيّر الأشخاص، أو على تقلّبات الأيّام؟ إنّ كثيراً من الألم الّذي نعيشه هو ألمٌ مُضاعف: وجع الحدث نفسه، ثمّ وجع لوم الذات عليه. ولو أدرك الإنسان أنّ بعض الطّرق لا تُفتح مهما ألحّ، وبعض الأبواب لا تُغلق مهما توسّل، لخفّف عن نفسه كثيراً من هذا النّزيف الدّاخلي.

الرّحمة بالنّفس ضرورةٌ وجوديّةٌ، فالنّفس إذا أُرهقت فقدت بوصلتها، وإذا أُثقِلت بالذنب انطفأت قدرتها على الفهم. الرّحمة أن تعترف بتعبك دون أن تُدين نفسك، وأن تسمح لنفسك بالتّوقّف دون أن تشعر بالعار. أن تقول: “فعلتُ ما استطعت”، وتصدّق هذه الجملة من أعماقك. فليس مطلوباً منك أن تكون خارقاً، المطلوب هنا أن تكون صادقاً مع حدودك.

ثمّة فرق دقيق بين الصّبر والإنهاك، بين التّحمل والاستنزاف.

الصّبر يمنحك قوّةً داخليّةً هادئةً، بينما الإنهاك يسرق منك المعنى. الصّبر يجعلك أكثر اتّزاناً في مواجهة القادم، أمّا الاستنزاف فيجعلك هشًّا أمام أبسط التّفاصيل. وحين نخلط بين الاثنين، نظنّ أنّنا نؤجر على كلّ ألم، وننسى أنّ الله لم يكلّف نفساً إلّا وسعها، وأنّ تجاوز الوسع ليس بطولةً، هو غفلةٌ عن حكمة التّكليف.

حين نُدرك أنّ ما كُتب سيجري، تتغيّر علاقتنا بالخوف. لا نلغيه، لكنّنا نضعه في حجمه الطّبيعيّ. لا نُقصيه، لكنّنا لا نسمح له بأن يقود حياتنا. نُصبح أكثر قدرةً على العيش في الحاضر بدل الارتهان للمستقبل، وأكثر استعداداً لتقبّل التغيّر بدل مقاومته بعنادٍ يُنهكنا. فالحياة ليست امتحان تحمّل فقط، بل امتحان فهم أيضاً.

في النّهاية، التخفّف مصالحةٌ مع الحياة. أن نعيش بوعيٍ أقلّ صخباً، وبقلبٍ لا يحمل ما لا يحتمل، وبروحٍ تُسلّم حين لا يكون للتّدخّل معنى. أن نمضي ونحن نعلم أنّ بعض الأجوبة ستأتي وحدها، وبعض الجراح ستلتئم دون جهد، وبعض الطّرق ستُفتح في الوقت الّذي كُتب لها، لا في الوقت الّذي نُريده نحن.

خفّف عن نفسك. اترك ما لا تملك تغييره، وتمسّك بما تستطيع فعله بصدق. لا تُثقِل قلبك بأعباء الغد، ولا تُحاسب نفسك على أخطاء الأمس إلى الأبد. فما دام كلّ شيءٍ سيجري، فليجرِ وأنت أخفّ، أهدأ، وأكثر رحمةً بنفسك.


اقرأ أيضًا:

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا

التعليقات

  1. قد ندركها متأخرًا ولكن نتعلم أن أثقل ما نحمله ليس ما يحدث لنا بل قسوتنا على أنفسنا تجاهه فالرحمة بالنفس ليست ضعفًا بل وعي ونجاة بارك الله بك وبقلمك

آخر فيديوهات القناة