في زمن المنصّات: لماذا لا يكفي الظهور لصناعة التأثير؟
في زمنٍ تتكاثر فيه المنصّات، وتتسارع فيه الإيقاعات، ويُقاس الحضور بعدد المشاهدات والتفاعلات، يصبح من الطبيعي أن يختلط علينا أحيانًا ترتيب الأولويات. لا لأنّنا سيِّئو النيّة، بل لأنّ الضجيج عالٍ، والضغط كبير، وحدود التمييز بين الوسيلة والغاية لم تعد دائمًا واضحة.
الكاميرات، والمايكروفونات، والصور، والفيديوهات… كلها وسائل. أدوات محايدة، لا تحمل قيمة في ذاتها، ولا تُحدّد بالضرورة اتجاه صاحبها. قيمتها الحقيقية تتشكّل حين نضعها في سياقها الصحيح فقط: وسيلة لخدمة فكرة، لا فكرة تُسخَّر لخدمة وسيلة. وحين ننجح في هذا الترتيب، نُحسن الأداء، ونُراكم أثرًا، ونبقى أقرب إلى أنفسنا وإلى الناس.
لكن الإشكال يبدأ حين تنزلق هذه الوسائل -دون أن نشعر- من موقع الخدمة إلى موقع القيادة. حين يصبح السؤال غير المعلن: كيف أظهر أكثر؟ لا: ماذا أقدّم أفضل؟ حين نُحسن الإخراج أكثر مما نُحسن الفهم، ونُتقن الخطاب أكثر مما نُتقن الإصغاء. هنا لا نتحدّث عن خطيئة أخلاقية، بل عن مأزق وعي قد يقع فيه أي إنسان يعمل في الشأن العام أو الإعلامي أو المجتمعي.
ولنكن صادقين مع أنفسنا: الظهور بحدّ ذاته ليس مشكلة. الرغبة في التأثير ليست عيبًا. والسعي للنجاح أمر مشروع بل ومطلوب. المشكلة ليست في الظهور، بل فيما يقوده. هل يقوده وعيٌ يتعلّم ويتواضع؟ أم تقوده حاجةٌ دائمة للتصفيق والتأكيد الذاتي؟
حتى لو افترضنا -جدلًا- أنّ الجمهور لم ينفضّ، وأنّ التفاعل مستمر، وأنّ الأرقام في صعود… يبقى السؤال الأعمق حاضرًا بهدوء: ماذا نراكم فعلًا؟ هل نراكم فهمًا؟ وعيًا؟ أثرًا طويل النفس؟ أم نراكم لحظات سريعة الاستهلاك، جميلة الشكل، محدودة العمق؟
الشهرة، حين تأتي، ليست شرًّا. لكنها هشّة بطبيعتها. تتغذّى على الاستمرار في الإبهار، لا على الثبات في المعنى. والمال، حين يأتي، قد يكون وسيلة للاستمرار، لكنه ينظر أن يكون مقياسًا للصدق. أمّا الشعبية، فهي الأكثر تقلّبًا؛ تحبّ من يُشبهها في اللحظة، ثم تبحث سريعًا عمّن يُجيد لعبة اللحظة التالية.
من هنا، لا يبدو السؤال الحقيقي: ماذا سنجني؟ بل: ماذا سنبقى عليه؟
في لحظات المراجعة الصادقة -وكلّنا نحتاجها- يظهر الفرق بين من تعلّم ليزداد تواضعًا، ومن تعلّم ليزداد يقينًا بنفسه فقط. بين من يرى في المعرفة بابًا للاعتراف بالنقص، ومن يراها أداة لتكريس التفوّق. العمق الحقيقي لا يُنتج ضجيجًا، بل يُنتج هدوءًا واثقًا. والوعي لا يرفع الصوت، بل يُحسّن السؤال.
في فضاء العرب في بريطانيا، تتضاعف الحاجة لهذا النوع من الوعي. جمهورٌ متنوّع، تجاربُه مركّبة، وهمومه موزّعة بين قضايا الهُوية، والاندماج، والعدالة، وفلسطين، والكرامة الإنسانية. هذا جمهور لا يحتاج من يحدّثه من علٍ، ولا من يزايد عليه، بل من يُشاركه التفكير، ويعترف بتعقيد الأسئلة، ويترك مساحة للاختلاف والتعلّم المتبادل.
التواضع هنا ليس ضعفًا، بل شرط صدقية. أن تقول: “لا أعرف كل شيء”. أن تعترف بأنّك تتعلّم كما يتعلّم غيرك. أن تراجع أدواتك وخطابك كلما تغيّر السياق. هذا النوع من التواضع لا يحطّ من شأنك، بل يرفعه؛ لأنّ الناس -على المدى البعيد- لا تنجذب إلى من يدّعي الكمال، بل إلى من يُشبهها في إنسانيته.
ومن هذا الباب، تصبح العلاقة مع الله -بعيدًا عن أي استعراض- مرتكزًا أخلاقيًّا داخليًّا، لا شعارًا خارجيًّا. أن يكون رضاه بوصلة صامتة، لا لافتة مرفوعة. أن تُراجع النيّة قبل أن تُراجع النص، وأن تُنقّي القصد قبل أن تُحسّن الصورة. ليس لأنّنا أفضل من غيرنا، بل لأنّنا أضعف مما نحب أن نظهر.
حين يكون الهدف نصرة المظلوم، وخدمة الحقيقة، واحترام عقل الناس، تصبح الوسائل أكثر انضباطًا. نُحسن استخدامها دون أن نُستَخدم بها. نُتقنها دون أن نعبدها. نعرف متى نظهر، ومتى نصمت، ومتى نُفسح المجال لغيرنا.
واللافت أنّ هذا الطريق -على هدوئه- ليس طريق الخسارة. بل في الغالب يكون طريق الاستمرار. الله، حين يرى صدق السعي، يمنح قبولًا لا يُشترى، وأثرًا لا يُقاس بالأرقام فقط، وطمأنينةً لا تصنعها المنصّات. وحين تأتي النجاحات، تأتي بلا ضجيج داخلي، وبلا خوف دائم من الزوال.
في النهاية، لسنا في سباق مع أحد. ولسنا أوصياء على أحد. نحن فقط نحاول -كلٌّ بطريقته- أن نكون أكثر وعيًا، وأعمق فهمًا، وأقرب إلى المعنى. أن نتعلّم دون ادّعاء، وأن نعمل دون تعالٍ، وأن نُذكّر أنفسنا دائمًا بأنّ الوسيلة ستبقى وسيلة… وأنّ القيمة الحقيقية فيما نزرعه، لا فيما نُعرَض به.
وما يبقى فعلًا -بعد أن يهدأ كل شيء- ليس الصورة الأجمل، بل النيّة الأصدق. وليس الصوت الأعلى، بل الأثر الأعمق. وليس لحظة الظهور، بل سلامة المسار.
اقرأ أيضًا:
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇



