شهر شعبان: مدرسةُ الاستعداد وبناءُ النفس والمجتمع
يأتي شهرُ شعبان في منزلةٍ تربويةٍ فريدة؛ فهو الجسرُ الهادئ بين رجب ورمضان، وفي هدوئه تتجلّى حكمةُ الاستعداد قبل العطاء العظيم. ليس شعبان مجرّد شهرٍ عابر، بل هو مرحلةُ تهيئة تُبنى فيها القلوب، وتُدرَّب فيها النفوس على الانضباط، وتُصقل فيها الهمم لتلقّي مواسم الفضل.
يأتي شعبان في حياة المسلم كمرحلةٍ خفيّة، لا تَلفت الانتباه كما يفعل رمضان، ولا تُستثار لها المشاعر كما في المواسم الكبرى، ومع ذلك فهو من أعمق الشهور أثرًا في بناء الإنسان إيمانيًا وتربويًا. شعبان ليس شهر الذروة، بل شهر التهيئة، وتلك بالضبط هي قيمته التربوية الكبرى؛ إذ يعلّم النفس أن العظمة لا تبدأ عند القمم، بل في المقدمات الصامتة.
تُظهر السنّة النبوية بوضوح أن النبي ﷺ لم يكن يتعامل مع شعبان على أنه وقت فراغ أو انتظار، بل على أنه زمنُ عملٍ مقصود. فقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ استكمل صيام شهرٍ إلا رمضان، وما رأيتُه أكثر صيامًا منه في شعبان» (متفق عليه). هذا السلوك النبوي ليس عبادةً مجرّدة، بل رسالةٌ تربويةٌ عميقة: من أراد أن يبلغ رمضان بقلبٍ حاضر وجسدٍ منضبط، فلا يدخل عليه فجأة. الصيام في شعبان يكشف لنا أن الاستعداد عبادة، وأن التهيئة جزءٌ من النجاح لا مرحلةٌ ثانوية.
وحين يوضح النبي ﷺ سبب ذلك بقوله: «ذاك شهرٌ يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهرٌ تُرفع فيه الأعمال إلى ربِّ العالمين، فأحبُّ أن يُرفع عملي وأنا صائم» (رواه النسائي)، فإنه يضع يدنا على أصلٍ تربويٍّ بالغ الأهمية يغيب عن كثير من الناس اليوم: قيمة العمل في أوقات الغفلة. فالتربية الإيمانية الحقيقية لا تُبنى حين يصفّق الجميع، بل حين يعمل الإنسان في الخفاء، حين يقلّ الضجيج وتغيب الأنظار. شعبان يربّي المؤمن على الإخلاص العملي لا النظري، ويُدرّبه على أن يكون ثابتًا لا موسميًا.

على مستوى الفرد، يُسهم شعبان في تهذيب النفس قبل الإكثار من الأعمال. فالصيام المتكرر، والعودة إلى القرآن، والحرص على الذكر، كلها ممارسات تُعيد ترتيب الداخل، وتكشف مواطن الضعف قبل أن يأتي رمضان فيفضحها. من يدخل رمضان بلا إعداد غالبًا يصطدم بنفسه، أما من دخل شعبان بوعيٍ تربوي، فقد بدأ العلاج مبكرًا. ولذلك كان بعض السلف يقولون: «شعبان شهرُ القرّاء»، لأنهم أدركوا أن العلاقة بالقرآن لا تُستعاد في ليلة، بل تُبنى بالتدرّج والمداومة.
أما على مستوى المجتمع، فإن شعبان يكشف مدى نضج الوعي الديني الجماعي. فالمجتمع الذي يُحيي السُّنن قبل الفرائض، ويستعد قبل المواسم، هو مجتمع يفهم سنن البناء. وحين تنتعش المساجد في شعبان، وتُبعث حلقات القرآن، ويعود الناس إلى الطاعات قبل أن تُفرض عليهم اجتماعيًا في رمضان، فإن ذلك يُنشئ ثقافةً إيمانيةً صحيّة، تقاوم التدين الموسمي وتُربّي على الاستمرار. فالتربية هنا لا تكون بالمواعظ وحدها، بل بالممارسة المشتركة التي تصنع بيئةً صالحة.
وشعبان في جوهره درسٌ عملي في مفهوم الاستعداد للأشياء العظيمة. فكما أن الله تعالى قرّر قاعدة الإعداد في قوله: ﴿وَأَعِدّوا لَهُم مّا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ﴾ (الأنفال: 60)، فإن هذه القاعدة لا تخصّ الجهاد وحده، بل تمتد إلى كل مشروعٍ كبير، وعلى رأسه تزكية النفس. رمضان مشروعٌ عظيم، ومن الخطأ التربوي الفادح أن نتصوّر أنه يُنال بلا إعداد. شعبان يُعلّم المسلم أن القفز إلى القمم وهم، وأن الطريق الصحيح يبدأ بخطواتٍ هادئة، منتظمة، قد لا يراها أحد، لكنها تصنع الفارق.
ولهذا أدرك السلف قيمة هذا الشهر، فكانوا يُعاملونه بوعيٍ لا بعادة. قال الحسن البصري رحمه الله: «إن الله جعل رمضان مضمارًا لخلقه يستبقون فيه بطاعته»، ولا مضمار بلا تدريب، ولا سباق بلا تهيئة. وهذا الفهم العميق هو ما نحتاجه اليوم؛ أن نعيد لشعبان مكانته التربوية، لا بوصفه شهرًا أقل فضلًا، بل بوصفه شهر البناء الداخلي.
إن شعبان يفضح أوهام الاستسهال، ويكسر عقلية الانتظار، ويُربّي المسلم على أن التغيير الحقيقي لا يحدث فجأة. فمن أحسن شعبان غالبًا أحسن رمضان، ومن ضيّعه دخل الموسم الكبير مثقلًا بالكسل وسوء العادة. ولذلك فالسؤال التربوي الصادق ليس: ماذا سنفعل في رمضان؟ بل: كيف تعاملنا مع شعبان؟
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇
