هاني أبو القرايا.. ناجٍ فلسطيني من الإبادة يروي شهادات مروعة عن أهوال غزة
في سياق حرب خلّفت واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في تاريخ غزة، تبرز شهادة هاني أبو القرايا بوصفها توثيقًا مباشرًا لتجربة إنسانية داخل عنف منهجي واسع النطاق. روايته لا تُقدَّم باعتبارها حالة فردية معزولة، بل مثالًا ما يعيشه ملايين الفلسطينيين منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع.
كسر الصمت
![]()
كسر الفلسطيني هاني أبو القرايا صمته ليروي ما شاهده خلال الحرب الإسرائيلية على غزة، وهي مشاهد يقول إن كثيرين قد يصعب عليهم تصديقها. هاني، الذي فقد 25 فردا من عائلته، لا يقدم نفسه بوصفه استثناء، بل واحدا من ملايين الفلسطينيين الذين عاشوا ما تحولت معه غزة إلى مساحة استهداف واسع. هذه الشهادة، التي أدلى بها هاني أبو قرايا لمراسل صحيفة (5 Pillars)، توثق تجربة فرد داخل كارثة جماعية مستمرة فتعكس مأساة فردية وإبادة منظمة.
طفولة تحت الحصار
وُلد هاني أبو القرايا، 31 عاما، في جباليا شمال قطاع غزة، ونشأ في كنف عائلة كبيرة. كغيره من الفلسطينيين، اعتاد رؤية الحروب عن قرب، وعلى وقع القيد اليومي الذي فرضه الحصار الإسرائيلي على غزة منذ عام 2007.
لكن ما تلا السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، بحسب وصفه، لم يكن “حربا أخرى”، بل تحولا نوعيا في مستوى العنف ونطاق الاستهداف.
نزوح قسري بعد 7 أكتوبر

مع بدء الحرب الإسرائيلية، اضطرت عائلة هاني إلى مغادرة منزلها بعد إسقاط منشورات تحذيرية تطالب السكان بالرحيل. المنزل دُمّر لاحقا بالكامل، كما سُويت أحياء كاملة بالأرض.
بدأت الرحلة جنوبا في تشرين الثاني/نوفمبر 2023، ضمن موجات نزوح جماعي نحو ما وصفته إسرائيل بـ”مناطق آمنة”.
مشاهد على طريق النزوح
خلال النزوح، يقول هاني إنه شاهد جثثا وأشلاء متناثرة في الطرقات، دون إمكانية لدفنها أو حتى تغطيتها. ويؤكد أن أي محاولة للاقتراب من الجثث كانت تعرّض أصحابها لإطلاق النار.
في إحدى النقاط، واجه جنودا إسرائيليين هددوه بالقتل إذا حاول تغطية جثمان امرأة ملقى على جانب الطريق.
ويروي كيف حاول حماية أشقائه الصغار من هول المشهد، طالبا منهم السير دون التفات، في وقت كان فيه الخوف والارتباك يسيطران على الجميع.
عائلة تُستهدف تباعا

بلغ عدد أفراد عائلة هاني الذين استشهدوا خلال الحرب 25 شخصا. وكان عام 2024 الأكثر قسوة بالنسبة له.
من بينهم الطفلة مريم، ابنة شقيقه، التي لم تتجاوز العامين واستشهدت تحت أنقاض جدار منهار بعد قصف في أيار/مايو 2024. وفي كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه، استشهد عمه ماهر وابنتاه هديل ونهاية خلال غارة جوية أثناء بحثهم عن الماء.
يقول هاني إن الجثث لم تكن قابلة للتعرف عليها إلا من خلال الملابس، وإن بعض الأشلاء، بما فيها الرؤوس، لم يُعثر عليها حتى اليوم.
أب مريض في خيمة

ما تبقى من العائلة يعيش اليوم في خيمة بمدينة دير البلح وسط ظروف إنسانية شديدة القسوة. والده، السيد أحمد أبو القرايا، مصاب بسرطان في مراحله الأخيرة ويعتمد على أسطوانات الأكسجين للبقاء على قيد الحياة. والدته، سعدية، تعاني أمراضا مزمنة وسوء تغذية حاد، دون إمكانية فعلية للعلاج في ظل انهيار النظام الصحي.
أطلق هاني حملة تبرعات لمحاولة إجلاء والده إلى مصر لتلقي علاج عاجل، مؤكدا أن الأدوية الأساسية باتت شبه مفقودة داخل القطاع.
العنف في ظل الفوضى
لم تقتصر معاناة العائلة على القصف فقط. ففي عام 2024، تعرض هاني وشقيقه محمود لاعتداء من عصابة إجرامية استغلت حالة الانفلات الأمني. أُصيب هاني بجروح خطيرة، بينما تُرك شقيقه دون علاج كاف، في ظل غياب شبه كامل للرعاية الطبية وانتشار السوق السوداء.
أرقام القتل المستمر
بحسب وزارة الصحة في غزة، أستشهد خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية 14 فلسطينيا وأصيب 18 آخرون، فيما لا يزال عدد من الضحايا تحت الأنقاض.
وارتفعت حصيلة الشهداء منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى أكثر من 71 ألف شهيد، إضافة إلى أكثر من 171 ألف مصاب، وسط تقديرات تشير إلى أن الأرقام الفعلية أعلى بكثير.
ورغم إعلان هدنة في تشرين الأول/أكتوبر 2025، استمرت الغارات الإسرائيلية، خصوصا قرب ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، حيث استُهدف فلسطينيون غير مسلحين.
بلا مساءلة دولية

خلال الحرب، وُجهت اتهامات واسعة لإسرائيل بارتكاب جرائم حرب، مع تصاعد الدعوات الدولية لفرض عقوبات. في المقابل، لم تُترجم هذه المواقف إلى خطوات سياسية فاعلة، ما أبقى الوضع الميداني دون تغيير ملموس بالنسبة للمدنيين في غزة.
أمنية معلّقة
أقصى ما يتمناه هاني اليوم هو أن يرى والده مرة أخيرة قبل أن يفتك به المرض، وأن يتمكن من نقله إلى مستشفى خارج غزة. وسط عالم يكتفي بالمراقبة، تبقى هذه الأمنية البسيطة معلّقة، مثل غيرها من أمنيات الفلسطينيين، في سياق حرب لم تتوقف آثارها بعد.
تدمير عمدي لمقومات الحياة
ترى منصة العرب في بريطانيا (AUK) أن ما تكشفه شهادة هاني أبو القرايا لا يمكن فصله عن سياق أوسع من العنف المقصود الذي تمارسه إسرائيل في غزة. فالمأساة هنا ليست نتيجة جانبية لحرب، ولا حصيلة أخطاء معزولة، أو خروقات فردية، بل نتاج سياسة تقوم على التدمير العمدي الواسع لمقومات الحياة الإنسانية، واستهداف المدنيين، وتفكيك شروط الحياة نفسها، بهدف إنتاج أكبر قدر ممكن من الرعب والقهر الجماعي. في هذا الإطار، تتحول الإبادة من حدث استثنائي عابر إلى ممارسة يومية، تُصنع عمدا وتُدار بوعي، ويُترك ضحاياها بلا حماية، وبلا مساءلة، وبلا أفق للنجاة.
المصدر: (5 Pillars)
اقرأ أيضاً
الرابط المختصر هنا ⬇
