استقالة تهز الشرطة: قائد ويست ميدلاندز يتقاعد بعد مؤامرة “جماهير مكابي تل أبيب”
تسلط استقالة قائد إحدى أكبر قوات الشرطة في إنجلترا الضوء على تداخل معقد بين القرار الأمني والسياق السياسي المحيط به. فالقضية التي بدأت بإجراء احترازي لمنع جماهير فريق مكابي تل أبيب من حضور مباراة كروية، انتهت بأزمة ثقة داخل جهاز الشرطة، وبجدل أوسع بشأن كيفية التعامل الحكومي مع المخاطر المرتبطة بالحدث.
ويكتسب هذا الجدل أهمية خاصة في ضوء سجل موثق لجماهير النادي الإسرائيلي في هتافات عنصرية وأعمال عنف، سبق أن ترتبت عليها عقوبات رياضية، وحوادث عنف وهو سجل لم يكن حاضرًا بالقدر نفسه في النقاش السياسي المصاحب للأزمة، مقارنة بتركيز المساءلة على أداء الشرطة وتقديراتها الأمنية.
استقالة مفاجئة بعد فقدان الثقة

أعلن كريغ غيلدفورد، قائد شرطة ويست ميدلاندز، تقاعده الفوري من منصبه، بعد أيام من تقرير رسمي شديد اللهجة خلص إلى أن معلومات استخباريةً “مبالغًا فيها إلى حد كبير” استُخدمت لتبرير منع جماهير نادي مكابي تل أبيب من حضور مباراة في الدوري الأوروبي أمام أستون فيلا، كانت مقررة في السادس من تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.
الاستقالة جاءت بعد أن أعلنت وزيرة الداخلية البريطانية شابانا محمود فقدانها الثقة في غيلدفورد، في أعقاب تقرير أعدّه مفتش الشرطة العام آندي كوك، انتقد فيه بشدة طريقة تعامل الشرطة مع الملف.
ضغوط سياسية أنهت التحدي
كان غيلدفورد، البالغ من العمر 52 عامًا، يأمل البقاء بمنصبه إلى حين صدور قرار مفوض الشرطة والجريمة في ويست ميدلاندز، سيمون فوستر، إلا أن تصاعد الانتقادات من وزراء في الحكومة، إضافة إلى موقف واضح من رئاسة الوزراء، أنهى أي فرصة للاستمرار.
وأوضحت مصادر حكومية أن رئيس الوزراء كير ستارمر فقد بدوره الثقة في غيلدفورد، فيما حذّره مسؤولون أمنيون من أن استمراره في المنصب قد يضر بسمعة الشرطة على المستوى الوطني. وانتهى الأمر باتفاق على التقاعد لتفادي معركة قانونية محتملة.
أصل الأزمة: مباراة لم تبدأ بعد
تعود جذور الأزمة إلى تشرين الأول/أكتوبر، حين أوصت شرطة ويست ميدلاندز بمنع جماهير مكابي تل أبيب من حضور مباراة أوروبية في برمنغهام، استنادًا إلى تقديرات أمنية قالت إن الجماهير تشكّل “خطرًا بالغًا”.
غير أن التقرير الرسمي كشف لاحقًا أن الشرطة استندت إلى معلومات منسوبة إلى الشرطة الهولندية بشأن أحداث عنف خلال مباراة سابقة بين مكابي تل أبيب وأياكس أمستردام في تشرين الثاني/نوفمبر 2024. إلا أن الشرطة الهولندية نفت هذه الرواية، وأكدت أن التوترات آنذاك كانت نتيجة احتكاكات متبادلة بين جماهير إسرائيلية ومناصرين للقضية الفلسطينية، لا اعتداءات أحادية الجانب.
وخلص التقرير إلى أن شرطة ويست ميدلاندز “ضخّمت بصورة كبيرة” ما جرى في أمستردام، ما قوض مصداقيتها في تبرير قرار الحظر.
ذكاء اصطناعي ومعلومات خاطئة
زاد من حدة الانتقادات اعتراف غيلدفورد أمام لجنة الشؤون الداخلية في البرلمان بأن أحد الملفات الأمنية احتوى على إشارة إلى مباراة لم تحدث أصلًا بين مكابي تل أبيب ووست هام، وأن هذه المعلومة جُمعت عن طريق الخطأ باستخدام أدوات ذكاء اصطناعي.
ومن المتوقع أن يكون تقرير البرلمان بشأن هذه القضية أكثر قسوة من تقرير مفتش الشرطة العام، وفق مصادر مطلعة.
سجل موثق من السلوكيات العدائية تم تجاهله

الضغوط السياسية على الشرطة تجاهلت سجل موثق من السلوكيات العدائية لجماهير النادي الإسرائيلي، حيث أظهرت تقارير رياضية وأمنية أن جماهير مكابي تل أبيب ارتبط اسمها في السنوات الأخيرة بسلوكيات عدوانية وهتافات عنصرية خلال مباريات أوروبية. ففي العام الماضي، فرض الاتحاد الأوروبي لكرة القدم عقوبة إيقاف حضور الجماهير مع وقف التنفيذ على النادي بسبب هتافات عنصرية أطلقتها جماهيره، إلى جانب غرامات مالية. كما شهدت مدينة أمستردام في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 أحداث عنف واشتباكات في محيط مباراة جمعت مكابي تل أبيب بأياكس أمسترادام.
كما تم رصد ظاهرة تنامي الهتافات العنصرية ضد العرب والمسلمين بين الجماهير الإسرائيلية فقد تم رصد 367 حالة من الهتافات العنصرية خلال مباريات الدوري الإسرائيلي الممتاز في موسم 2024–2025، وهو أعلى رقم يُسجَّل حتى الآن، ويمثل زيادة بنسبة سبعة وستين في المئة مقارنة بالموسم السابق.
سُجّلت 118 حالة من هذه الوقائع في مدرجات تضم جماهير مكابي تل أبيب، وكان الشعار الأكثر تكرارًا هتافًا يمجّد الجيش الإسرائيلي ويتضمن إهانات عنصرية ضد العرب، وهي هتافات سبق أن رددها مشجعو النادي خلال الاضطرابات التي سبقت مباراته أمام أياكس في الموسم الماضي.
انقسام في المواقف
رحّبت منظمات يهودية بارزة، من بينها “حملة مكافحة معاداة السامية” ومجلس نواب اليهود البريطانيين، باستقالة غيلدفورد، معتبرة أنها خطوة ضرورية لاستعادة الثقة.
في المقابل، وصف النائب المستقل عن برمنغهام أيوب خان ما جرى بأنه “كبش فداء سياسي”، معتبرًا أن غيلدفورد دفع ثمنًا لاعتبارات سياسية لا علاقة لها بجوهر الأمن العام.
ما وراء الاستقالة: الأمن أم السياسة؟

سيتولى نائب قائد الشرطة سكوت غرين مهام القيادة مؤقتًا، في وقت تعترف فيه مصادر أمنية بوجود نقص في القيادات الشرطية المؤهلة على المستوى الوطني.
تشير منصة العرب في بريطانيا (AUK) إلى أن هذه القضية تكشف مفارقة لافتة في الخطاب الرسمي البريطاني: ففي حين يُنبَّه على “عدم التسامح” مع المخاطر الأمنية حين يتعلق الأمر باحتجاجات داعمة لفلسطين، يُقابَل سجل موثق من الهتافات العنصرية وأعمال العنف المرتبطة بجماهير الفريق الإسرائيلي بقدر من التساهل أو التغاضي السياسي.
وتضيف المنصة أن الضغوط السياسية على الشرطة للتغاضي عن المخاطر الأمنية يخفي نقاشًا أعمق بشأن انحيازات حكومية في تعريف الخطر، وانتقائية في تقدير مخاطر السلوكيات العنصرية، ومعايير مزدوجة في التعامل مع خطاب الكراهية. وفي ظل هذا السياق، لا تبدو استقالة قائد الشرطة نهاية الأزمة، بقدر ما هي فصل جديد في جدل أوسع بشأن العدالة، والأمن المجتمعي، وتأثير السياسة الخارجية على القرار الداخلي البريطاني.
المصدر: الجارديان
اقرأ أيضاً
الرابط المختصر هنا ⬇
