سياسة الأسوار والجدران من أوروبا إلى فلسطين.. عالم يحكمه الخوف والانفصال
في البداية انتابني شيء من الدهشة عندما أخبرني صديق بأن المثل الإنجليزي: «الأسوار الجيدة تصنع جيرانًا جيدين» حاضر في لغات كثيرة. لم يكن يفترض أن أتفاجأ؛ فلحظة تأمّل تكفي لتذكيرنا بأن تقسيم الناس بالأسوار والجدران ممارسة ضاربة في القدم.
ولا جديد فعليًّا في السور الفاصل بين الولايات المتحدة والمكسيك، ولا في الجدار الذي قسّم ألمانيا الشرقية والغربية خلال الحرب الباردة، ولا في الحاجز الممتد بين إسرائيل والضفة الغربية. يمكن الاكتفاء بالنظر إلى السور العظيم في الصين.
ويمزح المكسيكيون بشأن الجدار الذي خُطِّط لإقامته بدلًا من السياج: «لم يُبنَ ليمنع المكسيكيين من دخول الولايات المتحدة، بل ليمنع دونالد ترامب من دخول المكسيك!»
فكرة «الجدران» الحدودية سبقت عهد جو بايدن ودونالد ترامب معًا؛ فكل رئيس أمريكي حديث بنى أجزاء من الحاجز الحدودي أو عزّزها، بما في ذلك 128 ميلًا شُيّدت خلال ولاية باراك أوباما.
ويشير الخبراء إلى أن هذه الحواجز لم تُحدِث تأثيرًا طويل المدى في حركة الهجرة التي تحدّد في النهاية عدد الوافدين إلى الحدود الأمريكية–المكسيكية. بل إن الأرقام — خلافًا للرأي الشائع في أوروبا — تُظهر تراجعًا حادًا في عدد المهاجرين غير النظاميين: انخفاض بنسبة 21% عن العام الماضي، و52% مقارنة بعام 2023. وقد نشرت مجلة «الإيكونوميست» في سبتمبر الماضي: “رغم اتهامات حركة ماغا (MAGA) لأوروبا بأنها لا تضبط حدودها، فإن الأخيرة بنت جدارًا ضخمًا غير مرئي حول مداخلها.”
وفي بريطانيا، تتركز التغطية الإعلامية على المهاجرين العابرين للقنال الإنجليزي في قوارب غير آمنة، رغم أن هؤلاء لا يمثلون سوى نسبة صغيرة من إجمالي الهجرة. ومع ذلك، دفعت هذه التغطية جزءًا من الرأي العام نحو اليمين، بما في ذلك تغطيات هيئة الإذاعة البريطانية (BBC).
المقاربة المكسيكية

تواجه المكسيك اليوم تدفّق «القوافل» — مجموعات من الفارّين من دول أمريكا الوسطى الذين يعبرون جنوب البلاد حيث لا وجود للأسوار. وقد تعاملت السلطات والمجتمع المكسيكي مع هذه القوافل المتجهة شمالًا بعقلانية وإنسانية تفوق كثيرًا ما ظهر في عهد ترامب. فقد شجّعوا أفرادها على عدم مواصلة الطريق، وحثّوهم على إيجاد فرص عمل في الولايات الجنوبية الأقل نموًا. أما من تقدّموا بطلبات لجوء، فحصلوا على تصاريح عمل مؤقتة تدخل حيز التنفيذ فورًا.
يعرف المكسيكيون من تاريخهم أن التنمية هي العلاج الحقيقي للهجرة. وبفضل النمو الاقتصادي، تراجع نزوح المكسيكيين نحو الولايات المتحدة إلى مستويات متدنية للغاية. لكن ترامب لا يشير إلى هذا الواقع أبدًا. يستمر في استخدام المكسيكيين ككبش فداء لظاهرة لم تعد موجودة. خلال حملته الأولى قال: «إنهم يجلبون الجريمة… إنهم مغتصبون.» ولا يزال يؤكّد أنه لم يغيّر رأيه.
منذ أن قيّمت لجنة كيسنجر احتياجات دول أمريكا الوسطى بعد انتهاء الحروب الأهلية عام 1984، ظلّ النقاش قائمًا حول ضرورة تقديم الولايات المتحدة مساعدات كبيرة لانتشال هذه الدول من الفقر. لكن قليلًا من ذلك تحقّق. وعندما تصل المساعدات، غالبًا ما تؤدي إلى نتائج لافتة.
وقد زرتُ مشروعًا زراعيًا في السلفادور تديره منظمة «الصندوق الدولي للتنمية الزراعية» التابعة للأمم المتحدة، وكان يحقق نجاحًا مميزًا — وكتبت عنه سابقًا. هذا النموذج هو ما ينبغي أن يركز عليه ترامب، لكنه عمليًا أوقفه.
أسوار آسيا وأوروبا

غالبًا ما تحمل الجدران قصة خلفها.
فعلى حدود الهند مع بنغلاديش يمتد أطول سياج حدودي في العالم — نحو 2500 ميل. بُني للحدّ من هجرة البنغاليين الأكثر فقرًا نحو الهند الأكثر ثراءً. لكن بنغلاديش، التي تشهد نموًا اقتصاديًا سريعًا، أصبحت اليوم تتفوّق على الهند في نصيب الفرد، ما يجعل الجدار مفارقة تاريخية.
وللهند سياج آخر يمتد 340 ميلًا على طول خط السيطرة المتنازع عليه في كشمير، المنطقة التي يطالب بها كل من الهند وباكستان.
أما أوروبا الغربية، فقد انضمت متأخرة إلى قائمة بناة الأسوار. فبعد أزمة اللاجئين السوريين عام 2015، صعدت موجة قومية خصوصًا في أوروبا الشرقية. وبدلًا من قبول نظام لتقاسم المسؤولية — يمنح كل دولة عددًا محدودًا من اللاجئين — فضّلت بعض الدول الرفض القاطع، واستقبلت أعدادًا رمزية فقط.
فشيّدت المجر سياجًا على حدودها مع صربيا وكرواتيا،
وسلوفينيا مع كرواتيا،
ومقدونيا مع اليونان،
والنمسا على بعض معابرها مع سلوفينيا وإيطاليا.
بهذه الطريقة تحمّلت دول المتوسط — نقطة الوصول الأولى — العبء الأكبر. ورغم تراجع الهجرة السورية إلى حدّ التلاشي، وتباطؤ الهجرة الإفريقية (باستثناء إسبانيا)، ما زالت هذه الأسوار قائمة.
وكما يفعل ترامب، يرفع سياسيون يمينيون في أوروبا — ومنهم أنصار البريكست — فزاعة «الهجرة اللانهائية». لكن احتمال نشوء موجات لجوء واسعة بسبب حروب جديدة في الشرق الأوسط يبقى ضئيلاً؛ فحتى الحرب التي ما تزال مستعرة — اليمن — لم تنتج تدفقات كبيرة نحو أوروبا. ورغم فظائع الحرب في غزة، لم يغادر الفلسطينيون بأعداد كبيرة، وبعض من خرج بدأ يعود.
السيل الإفريقي

أما «السيل الإفريقي» فهو مبالغ فيه. يكرّر البعض أن زيادة سكان إفريقيا تعني بالضرورة مزيدًا من المهاجرين شمالًا. لكنني كتبت أول مقالاتي حول هذا الموضوع عام 1973، وظلت الهجرة متواضعة حتى في أكثر مراحل النمو السكاني الإفريقي ارتفاعًا.
والواقع أن أجزاء من إفريقيا تحقق نموًا قويًا — أكثر من 4% سنويًا في إفريقيا جنوب الصحراء — وخمس دول إفريقية جاءت ضمن الأسرع نموًا عالميًا وفق تقرير صندوق النقد الدولي الأخير.
لا يزال هناك وقت لمساعدة إفريقيا على تسريع التنمية وتحويلها إلى «مكسيك أخرى» — مكان يجد فيه الناس وظائف كافية تبقيهم في أوطانهم.
الاندماج، لا الجدران

أما المهاجرون الذين يصلون إلى أوروبا بالفعل، فقد بدأت معظم الحكومات الغربية — متأخرًا — تدرك أن سياسة التعددية الثقافية لم تفِ بوعدها، وأنها أفرزت في بعض المدن أحياء معزولة. ولتقليل الآثار السلبية للهجرة، لا بد من تبنّي خطط اندماج واضحة ومدروسة.
الجدران والأسوار ليست ضرورية؛ وغالبًا ما تكون تعبيرًا عن تفكير سطحي لا يعالج جذور المشكلات.
المصدر: Eurasia Review
اقرأ أيضا
- كيف يستغلّ اليمين المتطرف الجرائم في بريطانيا لتأجيج الكراهية ضد المهاجرين؟
- منظمات خيرية بريطانية تتعرض لتهديدات مع تصاعد كراهية المهاجرين
- الهجرة ليست عبئًا: كيف ينقذ المهاجرون الاقتصاد البريطاني؟
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇
