ما السر وراء رحلة كير ستارمر المفاجئة للخليج؟ وهل وقف إطلاق النار له دور؟
في توقيت سياسي بالغ الحساسية، يتجه رئيس الوزراء البريطاني السير كير ستارمر إلى منطقة الخليج يوم الأربعاء، في زيارة تُعد من أبرز التحركات الدبلوماسية البريطانية الأخيرة، بهدف عقد مشاورات مع حلفاء لندن في المنطقة بشأن سبل الدعم والحفاظ على اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، ومنع انهياره في مراحله الأولى.
وتأتي هذه الزيارة في أعقاب إعلان هدنة مشروطة لأسبوعين بين واشنطن وطهران، وسط حالة من الترقب الدولي بشأن مستقبل الاتفاق، وقدرته على احتواء التصعيد، وانعكاساته المباشرة على أمن المنطقة واستقرار الاقتصاد العالمي، لا سيما أسواق الطاقة.
ترحيب بريطاني بالاتفاق وتحرك دبلوماسي لتثبيته

رحّب رئيس الوزراء البريطاني بإعلان التوصل إلى الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران خلال ساعات الليل، واصفًا إياه بأنه يمثل “لحظة ارتياح للمنطقة وللعالم”، في إشارة إلى الانفراج المؤقت في أحد أكثر الملفات الدولية توترًا.
وفي موقف يعكس توجه الحكومة البريطانية، أكد ستارمر قبل مغادرته أن “بريطانيا، إلى جانب شركائها، يجب أن تبذل كل ما في وسعها لدعم هذه الهدنة وضمان استدامتها وتحويلها إلى اتفاق دائم، إضافة إلى إعادة فتح مضيق هرمز”.
ونبهت الحكومة البريطانية على أن الزيارة كانت مُخططًا لها مسبقًا قبل إعلان وقف إطلاق النار، في محاولة لتأكيد أن التحرك لا يأتي كرد فعل مباشر على تطورات الساعات الأخيرة، بل ضمن مسار دبلوماسي أوسع.
إعلان ترامب وملامح الهدنة المشروطة

كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن في منشور على منصات التواصل الاجتماعي عند منتصف الليل وقفًا لإطلاق النار لأسبوعين، وذلك عقب تهديدات سابقة بتوسيع العمليات العسكرية ضد البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم يُتوصَّل إلى اتفاق قبل انتهاء المهلة التي حددها.
وفي منشور على منصة “تروث سوشال”، وصف ترامب الاتفاق بأنه “يوم كبير من أجل السلام العالمي”، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة ستساهم في “معالجة الازدحام في مضيق هرمز”، مضيفًا أن “هناك الكثير من التحركات الإيجابية، وأموالًا كبيرة ستُجنى”.
لكن قبل ذلك بساعات، كان ترامب قد صعّد لهجته، مهددًا بتدمير جسور ومحطات طاقة داخل إيران، محذرًا من أن “حضارة كاملة ستنتهي” إذا لم تلتزم طهران بالمهلة النهائية.
ومع اقتراب انتهاء المهلة بساعتين فقط، عاد الرئيس الأمريكي ليعلن تعليق توسيع العمليات العسكرية، مشترطًا إعادة فتح مضيق هرمز ضمن بنود التفاهم.
وبينما وصفت واشنطن وطهران الاتفاق بأنه “نصر” سياسي، انعكس الإعلان سريعًا على الأسواق العالمية، حيث تراجع سعر النفط إلى ما دون 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ أيام.
مضيق هرمز في قلب التحرك البريطاني

تتمحور التحركات الدبلوماسية البريطانية حول ضمان إعادة فتح مضيق هرمز بصفة دائمة، باعتباره أحد أهم الممرات الاستراتيجية للطاقة عالميًا، ويمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط الدولية.
ووفق بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء، فإن ستارمر سيجري محادثات مع قادة دول الخليج الذين كانوا “في الخطوط الأمامية خلال الأسابيع الماضية”، مع التأكيد على “الدعم البريطاني الثابت” لهذه الدول.
كما تشمل الزيارة لقاءً مع القوات البريطانية والقوات المحلية في المنطقة، لتوجيه الشكر لهم على خدماتهم، إضافة إلى مناقشة ترتيبات أمن الملاحة الدولية، وضمان حماية الاقتصادين البريطاني والعالمي من أي تهديدات مستقبلية.
قراءات سياسية وتحذيرات من هشاشة التوازن

على صعيد التحليل السياسي، رأى المستشار السابق للأمن القومي اللورد بيتر ريكيتس أن الحرب الأخيرة شكلت “جرس إنذار كبيرًا” لبريطانيا، محذرًا من إعادة تقييم جذري للعلاقة مع الولايات المتحدة.
وقال ريكيتس: إن فكرة “العلاقة الخاصة” بين لندن وواشنطن باتت بحاجة إلى مراجعة، معتبرًا أنها أصبحت “علاقة نفعية مثلها مثل أي علاقة دولية أخرى”.
وأضاف أن مستوى التنسيق بين البلدين أصبح “صعبًا ومتقلبًا”، داعيًا بريطانيا إلى تعزيز انخراطها الأوروبي في ظل تراجع تركيز واشنطن على أوروبا.
موقف حكومي: ارتياح حذر من دون أوهام

من جانبها وصفت وزيرة شؤون الجريمة سارة جونز إعلان وقف إطلاق النار بأنه “تطور مريح”، لكنها نبهت في الوقت ذاته على أن الوصول إلى سلام دائم “سيبقى مهمة معقدة”.
وأوضحت أن تفاصيل الاتفاق لا تزال غير واضحة، وبخاصة ما يتعلق بالملف النووي الإيراني، الذي يُتوقع أن يكون من أكثر الملفات حساسية في المفاوضات المقبلة.
وأكدت أن بريطانيا “ليست طرفًا مباشرًا في المحادثات”، مشيرة إلى أن باكستان كان لها دور بارز في جهود الوساطة.
تحركات دبلوماسية واسعة واتصالات متعددة الأطراف

في السياق ذاته، أجرت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر اتصالًا مع نظيرها الأمريكي ماركو روبيو، عقب التصعيد الأخير، حيث ناقشا الجهود الدولية لإعادة فتح مضيق هرمز.
وبحسب مصادر دبلوماسية، قادت بريطانيا اجتماعًا دوليًا ضم أكثر من 40 دولة بهدف تنسيق الجهود لإعادة فتح الممر الملاحي الحيوي وتخفيف التوترات.
كما دعت كوبر إلى تسريع إنهاء التصعيد، مؤكدة دعم لندن الكامل للمسار التفاوضي، ومنع أي توسع إضافي في رقعة الصراع.
تأكيد نهج طويل المدى

وأكد مكتب رئيس الوزراء أن الزيارة تأتي ضمن استراتيجية أوسع تسعى إلى دعم الشركاء في الخليج، ومناقشة آليات الحفاظ على وقف إطلاق النار وصولًا إلى تسوية دائمة للنزاع، بما يضمن حماية الاقتصادين البريطاني والعالمي من أي تهديدات مستقبلية.
ونبه البيان على أن ستارمر سيعيد التأكيد خلال الزيارة على التزام بريطانيا بسياسة خفض التصعيد، والعمل على استعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز، مستفيدًا من “التقدم المشجع” الذي تحقق عقب الهدنة.
كما سيزور رئيس الوزراء القوات البريطانية المنتشرة في المنطقة، للاطلاع على الدعم الدفاعي المقدم لحلفاء بريطانيا، وتوجيه الشكر للجنود على “خدمتهم وشجاعتهم في واحدة من أكثر الفترات حساسية”.
المصدر : الإندبندنت
إقرأ أيضًا :
الرابط المختصر هنا ⬇
