العرب في بريطانيا | حلقات صنعت الأثر.. كيف تحوّل بودكاست عرب إلى ذا...

1447 رمضان 12 | 01 مارس 2026

حلقات صنعت الأثر.. كيف تحوّل بودكاست عرب إلى ذاكرة العرب في بريطانيا

WhatsApp Image 2026-01-03 at 12.26.18 PM
صلاح عبدالله January 3, 2026

في موسمه الثالث، لم يكن بودكاست “عرب” مجرّد برنامج حواري يُضاف إلى أرشيف المحتوى الصوتي، بل تحوّل إلى مساحة توثيق، ومساءلة، وشهادة، عكست نبض القضايا العربية كما عاشها أصحابها، لا كما تُقدَّم في العناوين السريعة.

في هذا الموسم، الذي قدّمه الإعلامي ورئيس منصة العرب في بريطانيا عدنان حميدان، استطاع البودكاست أن يرسم خريطة إنسانية وسياسية وثقافية لتجربة العرب في بريطانيا وخارجها، جامعًا بين الخاص والعام، بين السيرة الفردية والتحليل العميق للسياق.

تميّز الموسم الثالث بجرأته في اختيار الملفات، وبعمقه في إدارة الحوار، حيث لم تُطرح الأسئلة بحثًا عن الإثارة، بل عن الفهم. فكانت النتيجة حلقات تركت بصمتها، لا لأنها صادمة
فقط، بل لأنها صادقة، وموثّقة، وحافلة بالمعاني.

فلسطين… من السياسة إلى الشهادة الحيّة

حضرت فلسطين في الموسم الثالث حضورًا مركزيًّا، لا بوصفها خبرًا عابرًا، بل بوصفها قضية إنسانية وتاريخية مفتوحة.

في واحدة من أبرز الحلقات، فتح الدكتور مصطفى البرغوثي الصندوق الأسود لما جرى في غزة وما يُحاك في الضفة الغربية، متحدثًا عن العدوان، والخسائر البشرية، والصمت الدولي، وكاشفًا كواليس المواقف العربية والدولية التي وُضعت تحت مجهر النقد. لم تكن الحلقة سردًا للألم فقط، بل تفكيكًا لمنظومة سياسية كاملة.

وتعمّق هذا المسار الإنساني في شهادات أطباء عاشوا المأساة من الداخل. قدّم الدكتور محمد طاهر شهادة مؤثرة عن غزة، لم يتمالك فيها نفسه فانهالت دموعه وهو يروي تفاصيل العمل الطبي وسط القصف وانهيار المنظومة الصحية، فيما جاءت شهادة الطبيب محمد مصطفى لتوثّق تجربة العودة من لندن وسيدني إلى مستشفيات غزة، حيث تحوّل الطب إلى فعل مقاومة في مواجهة الموت الجماعي، والحصار، والتجويع. هاتان الحلقتان لم تكونا حوارين عاديين، بل وثيقتين صوتيتين تحملان ذاكرة الألم ومسؤولية الشهادة.

يمكنكم متابعة بودكاست عرب عبر هذا الرابط هنا.

من الأسرة… إلى تحوّلات المجتمع

افتُتح هذا المسار بحلقة لامست جوهر الحياة اليومية للعرب في الغرب، حين ناقش الدكتور جاسم المطوع سرّ الاستقرار الحقيقي في الزواج. لم تكن الحلقة وعظية، بل تحليلية، تناولت التحولات التي طرأت على مفهوم الأسرة العربية في بيئة متعددة الثقافات، وتأثير الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي على تربية الأبناء، وصراع القيم بين الشرق والغرب.

كشفت الحلقة حجم التحدي الذي تواجهه الأسر العربية، وطرحت أسئلة صريحة عن الهُوية، والانتماء، وحدود التكيّف دون الذوبان.

التاريخ كما لم يُروَ

في مقاربة مختلفة، أعاد الكاتب والأكاديمي الفلسطيني حازم جمجوم قراءة التاريخ، كاشفًا الدور الأوروبي في صناعة المشروع الصهيوني وتمهيد الطريق لاحتلال فلسطين. حلقة غنية بالتفاصيل والتحليل، كشفت كيف استُخدم الفكر الاستعماري لتبرير الاستيطان، وكيف أُعيد إنتاج أدوات القمع من الانتداب البريطاني إلى الاحتلال الإسرائيلي، في سردية تاريخية نقضت كثيرًا من المسلّمات السائدة في الخطاب الغربي.

سِيَر تُلهم… وتجارب تتجاوز الفرد

لم يقتصر الموسم على السياسة والحرب، بل احتفى بقصص النجاح والصمود. روى الدكتور قصي الأحمدي، ابن الموصل، قصة علم وإعمار امتدت من بيع الشاورما في موسكو إلى إعادة بناء جامعة الموصل بعد دمارها، في حكاية جمعت بين العلم، والإدارة، والإيمان بالعمل الجماعي.

كما شكّلت حلقة صفية سعيد، أول عمدة صومالية لمدينة شيفيلد، نموذجًا ملهمًا لمسار امرأة كسرت القيود الاجتماعية والسياسية، ونجحت في تحويل تجربة الهجرة إلى قصة قيادة وخدمة عامة.

الفن… حين يصبح موقفًا

حلقات صنعت الأثر.. كيف تحوّل بودكاست عرب إلى ذاكرة العرب في بريطانيا

في حوار استثنائي، كشف النجم العالمي المصري الأصل خالد عبدالله عن كواليس تجربته في هوليوود، وكيف دفع ثمن مواقفه الداعمة لفلسطين، ولماذا رأى في الفن أداة مقاومة لا مجرّد ترفيه. تقاطع الفن بالسياسة، والهُوية بالعدالة، في شهادة لفنان اختار أن يحمل قضيته إلى المنصات العالمية دون حسابات الربح والخسارة.

جيل جديد… وأسئلة لا تُؤجَّل

مثّلت حلقة الناشطة الفلسطينية البريطانية جنين حوراني صوت الجيل الجديد في الشتات، حيث فتحت ملفات الحرب، والسلاح، والتواطؤ السياسي، وكشفت كواليس تقرير فضح تناقض الحكومة البريطانية بشأن تصدير السلاح. كانت الحلقة مساحة لفهم كيف يتشكّل الوعي السياسي لدى أبناء الجيل الثاني، وكيف تتحوّل الهُوية إلى فعل سياسي واعٍ.

بريطانيا من الداخل… واليمين المتطرف

لم يغفل البرنامج هموم الداخل البريطاني، ففي حلقة ناقشت صعود اليمين المتطرف واستهداف المسلمين والمهاجرين، مع الدكتور أنس التكريتي، الذي قدّم قراءة نقدية لتدخلات إيلون ماسك في الشأن البريطاني، وربطها بسياقات أوسع تتعلق بالإسلاموفوبيا، والصهيونية، وخطاب الكراهية.

ختام الذاكرة… وبدايات العمل المجتمعي

واختُتم الموسم بحلقة ذات طابع تاريخي وإنساني خاص مع ضياء الفلكي، أحد روّاد العمل المجتمعي العربي في بريطانيا، الذي روى للمرة الأولى قصة تأسيس أول نادٍ عربي، وجذور الوجود العربي في البلاد، وعقبات الحفاظ على الهُوية عبر الأجيال. كانت حلقة وفاء، وذاكرة، وتكريم لتجربة صنعت الأساس الذي يقف عليه كثيرون اليوم.

خلاصة الموسم

في موسمه الثالث، أثبت بودكاست عرب أنه ليس مجرّد منصة حوار، بل أرشيف حيّ للتجربة العربية، ومنبر للمساءلة، ومساحة تحفظ الذاكرة من التآكل. جمع بين السياسة والإنسان، بين التاريخ والحاضر، وبين الألم والأمل، ليؤكد أن الكلمة حين تُقال بصدق، تصبح أثرًا… وحين تُوثَّق، تتحوّل إلى مسؤولية.


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا