حزب العمال ينقلب على نفسه في مشهد يعيده إلى مربع السبعينيات
هذا أحد الانعطافات السياسية (U-turns) التي لن يُقدم عليها كير ستارمر. فقد وقّع خمسون نائبًا من حزب العمال رسالةً جماعية يطالبون فيها رئيس الوزراء بالتراجع عن قراره منع آندي برنهام من الترشح باسم الحزب في الانتخابات التكميلية بدائرتي غورتون ودنتون.
لكن ذلك لن يحدث. ويمكنهم أن يوفروا أنفاسهم. صحيح أن الامتناع عن قول «نعم، يمكنك إضافة اسمي» – كما فعل كلايف لويس، النائب الذي صاغ الرسالة – ليس تضحية كبيرة، لكن كانت هناك فترة كان من البديهي فيها لمعظم نواب حزب العمال ألا يضعوا أسماءهم على احتجاجات عبثية ضد قيادة الحزب.

وهذا الاحتجاج تحديدًا لا طائل منه. فقرار رئيس الوزراء بإبعاد أخطر منافسيه المحتملين على قيادة الحزب عن البرلمان لم يكن مجرد خطوة دفاعية قاسية، بل جاء أيضًا في صميم مصلحة حزب العمال نفسه.
وبصراحة، بعد تنحي أندرو غوين عن مقعده النيابي، واجه الحزب خيارًا حادًا: إما خسارة الانتخابات التكميلية البرلمانية، أو خسارة رئاسة بلدية مانشستر الكبرى. لم يكن أي من الخيارين مضمونًا بالكامل، لكن احتمال تحقق كل منهما كان كافيًا لجعل القرار العقلاني واضحًا. كان بإمكان الحزب الإبقاء على برنهام في منصبه كعمدة والتضحية بالمقعد البرلماني.
شعبية برنهام في المنطقة، وسمعته كمرشح مُعارِض لستارمر، كان من المرجح أن تنقذ المقعد في الانتخابات التكميلية، لكن الثمن كان سيكون خسارة مانشستر الكبرى لصالح حزب «ريفورم».

قد يبدو منع برنهام نوعًا من السياسة الحزبية الانتهازية، لكنه قرار لن يُلغى بسبب عريضة وقعها عدد من النواب – ومعظمهم من «الوجوه المعتادة» – ولا بسبب نوبة غضب من برنهام نفسه يتهم فيها رئيس الوزراء بـ«الإخلال بتعهدات» قُدمت له.
لا أعرف تحديدًا ما الذي قاله ستارمر لبرنهام، أو ما الذي قاله فريق ستارمر لفريق برنهام. لكن كان ينبغي أن يكون واضحًا لبرنهام أن ستارمر سيمنعه. لم يكن عليه أن يضع اسمه أصلًا، وبعد أن فعل، كان الأجدر به أن يلتزم الصمت بكرامة ويحافظ على موقعه الذي يراه معظم أعضاء حزب العمال أرضًا أخلاقية عليا.
لكن برنهام، مثل كثير من نواب حزب العمال الذين يسعى للانضمام إليهم في وستمنستر، لا يستطيع كبح نفسه. فبينما هناك حكومة يجب إدارتها ونيجل فاراج يشكل تهديدًا سياسيًا متصاعدًا، يفضّل هؤلاء خوض صراعاتهم الداخلية.
وفي أحدث مثال على ذلك، حذّر النائب الخلفي إيان لافري من أن حزب العمال «يخاطر بالموت»، منتقدًا «الانعطافات السياسية المتواصلة»، ومشيرًا إلى أن الحزب بات على «جهاز الإنعاش السياسي».
قد لا يكون هذا النوع من الانتحار السياسي القائم على الأنانية هو السبب الجذري لمشكلات حكومة العمال، لكنه بلا شك يجعل حلها أكثر صعوبة.

قد يرى ستارمر أنه اشترى لنفسه بعض الوقت – ربما ما يكفي لمغادرة البلاد دون الخوف من انقلاب سياسي في غيابه. ويؤكد نواب الجناح اليميني في الحزب أن عدد الموقعين، خمسون نائبًا، ليس كبيرًا. وهم محقون جزئيًا، إذ إن «مجموعة الحملة الاشتراكية» المعارضة للزعيم في كل الأوقات تقريبًا – باستثناء فترة جيريمي كوربين – تشكّل نحو نصف هذا العدد.
لكن خمسين نائبًا ليسوا بعيدين كثيرًا عن 81 نائبًا، وهو العدد المطلوب لترشيح منافس علنًا وفرض انتخابات على قيادة الحزب. أنجيلا راينر، المرشحة الأرجح لتلقي تلك الترشيحات، قالت في حفل تبرعات لصالح أحد نواب العمال الليلة الماضية: «علينا أن نكون حزب عمال بلا اعذار». وكانت الرسالة الضمنية واضحة؛ فقد ذكّرت داعمي برنهام بأن هناك من يشاركهم التوجه السياسي، وهو في الوقت نفسه مؤهل فعليًا لخوض سباق القيادة.
إن الكتلة البرلمانية الحالية هي بالفعل الأكثر تمردًا في تاريخ حزب العمال. فعلى مدار معظم القرن العشرين، كان الانضباط الحزبي صارمًا وكانت التمردات نادرة. ازدادت وتيرتها في عهد توني بلير، لكن سلطته ظلت راسخة على الأقل خلال سنواته الست الأولى.

هذه الحكومة مختلفة. فعلى الرغم من فوز ستارمر بأغلبية تكاد تضاهي أغلبية بلير، فإنه تراجع مرارًا تحت تهديد تصويت نواب حزبه ضده. وقد تجنّب في الغالب الإذلال المتمثل في خسارة تصويت داخل مجلس العموم، لكنه لم يفعل ذلك إلا عبر التراجع عن سياسة تلو الأخرى قبل طرحها للتصويت.
واليوم جاء التراجع بشأن ضريبة الأعمال على الحانات. أما التراجع الأكثر ضررًا فكان العام الماضي، عندما تخلى عن خطط خفض دعم الأشخاص ذوي الإعاقة. ومحصلة هذه التراجعات تعني إنفاقًا عامًا أعلى وضرائب أعلى.
لقد اشترى ستارمر بعض الوقت بإبعاد برنهام، لكن تمرد نواب حزب العمال سيواصل زعزعة استقراره. فالحزب العاجز عن كبح نزعاته التدميرية الذاتية، والذي يقلد السنوات الأخيرة من حكم المحافظين بسيناريوهات التآمر الدائم على القيادة، ليس في موقع يؤهله لمواجهة فاراج وهزيمته.
المصدر: independent
إقرأ أيضًا:
- استقالة وزير عمالي سابق تشعل سباقًا انتخابيًا جديدًا في مانشستر
- أكثر من 60 نائبا عماليا يضغطون على ستارمر لحظر السوشيال ميديا عن المراهقين
- ترهيب وتهديد قانوني لمجالس عمالية بسبب مقاطعة البضائع الإسرائيلية
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇
