العرب في بريطانيا | تفاؤل على حافة الغربة

1447 شعبان 7 | 26 يناير 2026

تفاؤل على حافة الغربة

تفاؤل على حافة الغربة

في الغربة، تتغيّر الأماكن، ويتغيّر كلّ شيء،
فتتبدّل الملامح من الدّاخل، وتتعلّم كيف تحتضن نفسك حين لا أحد هناك ليضمّك، وكيف تواسيها حين ينهشها الحنين، ولا ذراع تمتدّ لتربّت على كتفك.
الغربة حالةٌ تعيشها في القلب، واختبارٌ طويلٌ بين الصّبر واليقين، بين الشّوق والرّضا.

في بداية الطّريق، يبدو كلّ شيء غريبًا: الوجوه، الأصوات، حتّى رائحة الهواء.
تحاول أن تتأقلم، أن تُخفي غصّة الحنين تحت ابتسامةٍ صغيرة، وأن تقول لنفسك: “سأعتاد”.
لكنّ الحقيقة أنّك لا تعتاد الغربة، إنّما تتصالح معها.
تتعلّم كيف تمشي فيها برفقٍ، دون أن تسمح لها أن تسرق دفء قلبك.

كم من مغتربٍ استيقظ باكرًا على صوت المطر وهو يلامس نافذته، فابتسم رغم كلّ شيء.
وكم من فتاةٍ جلست في غرفتها الصّغيرة في بلدٍ بعيد، تحتسي قهوتها وحيدة، ثمّ كتبت رسالةً إلى روحها تقول فيها: “أنا بخير، وسأكمل”.
تلك التّفاصيل الصّغيرة هي الّتي تصنع فينا القوّة، وهي التي تُعيد لنا المعنى وسط ضجيج الفقد.

الغربة تُعلّمك أن تتفاءل رغم المسافات، وأن تبحث عن النّور ولو في آخر نفقٍ طويل،
وأن تؤمن أنّ الأيام الّتي تمضي هي طريقٌ نحو النّضج والإدراك.
كلّ يومٍ تمضيه بعيدًا عن وطنك، هو يومٌ يضيف إلى روحك درسًا جديدًا في الصّبر والحكمة.

تذكّر دائمًا أنّ اليوم الّذي يرحل لن يعود.
فلا تتركه يمرّ دون أن تزرع فيه شيئًا جميلًا، ولو كان مجرّد ابتسامةٍ أو كلمةٍ طيّبة.
افتح نافذتك كلّ صباح، وقل: “الحمد لله”، مهما كان اليوم قاسيًا، ومهما شعرت بالوحدة.
فربّ يومٍ بسيطٍ تبدأه بالرّضا، يكون سببًا في فتح أبوابٍ كثيرةٍ من الفرج لاحقًا.

لا تدع الغربة تُطفئ فيك الشّغف.
اقرأ، اكتب، تحدّث مع من تحبّ، أو حتّى مع نفسك.
اصنع من وحدتك مساحةً للسّلام، لا جدارًا للعزلة.
وكلّما شعرت أنّ الحنين يخنقك، تذكّر أنّك في طريقٍ اختاره الله لك، وأنّ كلّ ما تفقده الآن، سيعود إليك يومًا بشكلٍ آخر، أنقى وأجمل.

جميلٌ يا صديقي أن تتعلّم أن ترى النّور في كلّ تجربةٍ، حتّى في الغربة، وأن تدرك أنّ المسافات لا تقتل الحبّ؛ ربّما تُمتحنه.
وأنّ الوقت لا يسرق منك الأحلام؛ ربّما يُمهّد لها لتولد من جديد حين يحين أوانها.
وأنّك حين تنهض من كلّ يومٍ صعبٍ بابتسامةٍ، تكون قد ربحت معركةً صغيرةً ضدّ اليأس.

عش يومك كما لو أنّه آخر ما تملكه.
ابتسم في وجه النّاس، حتّى الغرباء، فقد تكون ابتسامتك ملجأً لروحٍ تائهة مثل روحك.
اشكر الله على النّعم الّتي لا تراها إلّا حين تغترب، نعمة العائلة، والحنين، وصوت الأذان الّذي يذكّرك بوطنك، وحتّى وجوه المارّة الّتي كانت تمرّ بجانبك دون أن تفكّر أنّك ستشتاق إليها يومًا.

الغربة بداية الطّريق، ومن هنا تتعلّم كيف تصنع وطنك داخل نفسك.
وطنٌ لا تحدّه الجغرافيا، إنّما يسكن في قلبك كلّما قلتَ: “أنا بخير، رغم البعد”.

تفاءل، وامضِ، ولا تنتظر أن تعود الأيّام لتعيشها من جديد، فهي لا تعود.
لكنّك تستطيع أن تجعل ما تبقّى من أيّامك أكثر امتلاءً بالحبّ والرّضا واليقين.

فاليوم الّذي يمضي لن يعود،
لكنّ روحك قادرةٌ أن تُزهر في كلّ غروب، وأن تبدأ من جديد كلّ فجرٍ، ما دمت تؤمن أنّ الله معك…
حتّى وأنت بعيد.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا

آخر فيديوهات القناة