بريطانيا تحدد سقف إيجار الأرض عند 250 باوند: إصلاح جذري أم حل مؤقت لأزمة العقار؟
أعلنت الحكومة البريطانية عن خطوة جديدة في إطار ما تصفه بإصلاحات سوق الإسكان، تقضي بتحديد سقف إيجار الأرض (Ground Rent) عند 250 باوند سنويًا، في قرار يستهدف ملايين من مالكي المنازل بنظام Leasehold (ليزهولد)، ويعد – نظريًا – بتخفيف الأعباء المالية المتراكمة عليهم، في وقت تتصاعد فيه أزمة المعيشة وارتفاع تكاليف السكن في مختلف أنحاء البلاد. وبموجب هذا القرار، فإن أي مالك عقار بنظام ليزهولد يدفع حاليًا إيجار أرض يتجاوز 250 باوند، سيُخفض المبلغ تلقائيًا إلى هذا الحد، ما يعني تقليل التكاليف السنوية المفروضة على أصحاب المنازل، وهي خطوة تقول الحكومة إنها ستُحدث فرقًا ملموسًا في ميزانيات الأسر وتخفف من ضغوط تكاليف المعيشة.
ماهو نظام Freehold (فري هولد) وLeasehold (ليزهولد) ومن أين نشأ هذا النظام؟

لفهم أبعاد هذا القرار، لا بد من التوقف عند طبيعة أنظمة ملكية العقارات في بريطانيا، والتي تقوم أساسًا على نموذجين رئيسيين: Freehold (فري هولد) وLeasehold (ليزهولد). ففي نظام فري هولد، يمتلك الشخص العقار والأرض المقام عليها ملكية كاملة ودائمة، دون أي التزامات سنوية لإيجار الأرض، وهو الشكل الأكثر استقرارًا ووضوحًا للملكية العقارية. أما في نظام ليزهولد، فيمتلك الشخص العقار فقط لفترة زمنية محددة قد تمتد إلى 99 أو 125 أو حتى 999 سنة، بينما تبقى الأرض مملوكة لطرف آخر يُعرف بالـفري هولد، ويلتزم صاحب العقار بدفع إيجار أرض سنوي، إلى جانب رسوم أخرى تتعلق بالخدمات والصيانة.
هذا النظام ليس جديدًا؛ إذ تعود جذوره إلى قرون مضت، حين كانت الأراضي مملوكة للنبلاء وكبار ملاك الأراضي، واستمر العمل به حتى اليوم رغم التحولات الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة. ومن الناحية القانونية، يُبرر دفع إيجار الأرض في نظام ليزهولد بكون مالك العقار لا يملك الأرض نفسها، غير أن منتقدين يرون أن هذا الإيجار، بصيغته الحديثة، لا يقدم أي خدمة فعلية مقابل ما يُدفع، بل تحول في كثير من الحالات إلى مصدر دخل ثابت للشركات المالكة للأراضي، خصوصًا مع وجود بنود تسمح بتضاعف الإيجار تلقائيًا كل عدة سنوات. وفي حالات موثقة، ارتفعت هذه الرسوم من مبالغ رمزية إلى مئات، بل آلاف الباوند سنويًا، ما جعل بعض العقارات صعبة البيع أو الرهن، وأدخل أصحابها في أزمات مالية غير متوقعة.
القرار الحكومي الجديد ينص بوضوح على أن أي إيجار أرض يتجاوز 250 باوند سنويًا سيتم تخفيضه إلى هذا السقف، وهو ما يعني خفضًا مباشرًا في التكاليف على عدد كبير من مالكي المنازل. إلا أن هذا الإجراء، رغم أهميته، لا يلغي نظام ليزهولد نفسه، ولا يعالج رسوم الخدمات والصيانة، ولا يغيّر من حقيقة أن الأرض تبقى خارج ملكية صاحب المنزل، وهو ما يراه كثيرون جوهر المشكلة.

وتشير تقديرات إلى أن ملايين العقارات في إنجلترا وويلز تُباع بنظام ليزهولد، وأن بعض مالكي المنازل كانوا يدفعون أكثر من 1,000 باوند سنويًا كإيجار أرض، ما يعني أن خفض هذا المبلغ إلى 250 باوند قد يوفر مئات الباوندات سنويًا للأسرة الواحدة. غير أن هذه الوفورات، برأي مراقبين، تظل محدودة إذا ما قورنت بالارتفاع المستمر في أسعار العقارات والإيجارات.
ورغم الترحيب النسبي بالخطوة، تبرز تساؤلات جدية حول تأثيرها الحقيقي، أبرزها: هل سيؤدي هذا القرار فعليًا إلى انخفاض أسعار العقارات؟ وهل سينعكس على أسعار الإيجارات التي يدفعها المستأجرون؟ أم أن تأثيره سيظل محدودًا، في ظل استمرار أزمة العرض والطلب وارتفاع تكاليف البناء والتمويل؟ كما يتساءل منتقدون عما إذا كانت الحكومة تعالج أعراض أزمة السكن بدل التوجه إلى جذورها العميقة، والمتمثلة في نقص المعروض السكني، وهيمنة المستثمرين الكبار، وتعقيد أنظمة الملكية العقارية.
في المحصلة، قد يشكّل تحديد سقف إيجار الأرض عند 250 باوند خطوة إيجابية تخفف بعض الأعباء عن مالكي المنازل، لكنه يظل إصلاحًا جزئيًا في سوق يعاني من اختلالات بنيوية أعمق. وبينما تتحدث الحكومة عن تخفيف تكاليف المعيشة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تكفي هذه الإجراءات لإعادة التوازن إلى سوق الإسكان في بريطانيا، أم أنها مجرد محاولة سياسية محدودة التأثير لا تغيّر الواقع؟
المصدر: بي بي سي
إقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇
