العرب في بريطانيا | أصوات لاجئين في شمال بريطانيا يروون الهروب من ح...

1447 رجب 23 | 12 يناير 2026

أصوات لاجئين في شمال بريطانيا يروون الهروب من حرب مدمّرة

أصوات لاجئين في شمال بريطانيا يروون الهروب من حرب مدمّرة.
محمد سعد January 2, 2026

في وقت تتزاحم فيه الحروب على شاشات العالم، تكاد الحرب الأهلية في السودان تمرّ بلا انتباه دولي يوازي حجمها الحقيقي. لكنها، رغم ذلك، وصلت بتداعياتها إلى شمال بريطانيا، حيث بات السودانيون من أكبر مجموعات طالبي اللجوء، حاملين معهم قصص نزوح لا تنتهي عند عبور الحدود.

في حوار نشرته صحيفة ذا ايريش نيوز (The Irish News)، يروي لاجئون سودانيون تفاصيل قاسية من رحلة الفرار من الحرب.

حرب منسية… وأرقام ثقيلة

أصوات لاجئين في شمال بريطانيا يروون الهروب من حرب مدمّرة
الحرب في السودان تعد واحدة من أكثر النزاعات إهمالًا إعلاميًّا

قد تكون الحرب الأهلية في السودان واحدة من أكثر النزاعات إهمالًا إعلاميًّا، لكنها خلفت أكثر من 150 ألف قتيل، ودفعت نحو 12 مليون شخص إلى الفرار من منازلهم. الصراع العنيف بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع مزّق البلاد، ولا تظهر في الأفق مؤشرات جدية على اقتراب نهايته.

في آذار/مارس الماضي، نشرت ذا ايريش نيوز (The Irish News) تقارير ميدانية من الحدود السودانية مع جنوب السودان، الدولة التي استقلت قبل أكثر من عقد. ورسمت تلك التقارير صورة قاتمة لمعاناة الفارين من الحرب، من انهيار الخدمات الصحية إلى الجوع والفقر المدقع.

بالنسبة لكثيرين، لم يعد الهروب خيارًا، بل ضرورة. فمشاهد الجثث الملقاة في الشوارع جعلت البقاء مستحيلًا، ليدخل السودانيون قائمة أعلى الجنسيات طلبًا للجوء في شمال بريطانيا، بعد الصومال وإريتريا وسوريا فقط.

ووفق أرقام وزارة الداخلية البريطانية، ارتفع عدد السودانيين القادمين إلى المملكة المتحدة بنسبة 45 في المئة خلال العام الماضي.

“لم يكن هناك مكان آمن”

I lived in a few places in Belfast, one of the places I lived in ...
لاجئون من دارفور يتحدثون عن الحرب. ( ذا أيريش نيوز)

سومة هارون، القادمة من إقليم دارفور، تعرف الحرب منذ طفولتها. الإقليم الذي أنهكته النزاعات والمجاعات دفعها سابقًا إلى الانتقال للعاصمة الخرطوم للدراسة الجامعية، قبل أن تضطر إلى الفرار في نيسان/إبريل 2023 مع اندلاع الحرب الأخيرة.

تقول سومة:

“بقيت هناك عشرة أيام بعد بداية الحرب، كان الوضع جنونيًّا. كنا نسمع عن مجازر قوات الدعم السريع في دارفور، عن قرى تُباد بالكامل، لكنني لم أرَ ذلك بعيني من قبل”.

وتضيف:

“كان أخي يسكن على بعد شارعين فقط، ولم أستطع الوصول إليه بسبب القصف في كل مكان. لم تكن تعرف من أين يأتي الخطر. لم يكن بإمكانك الخروج؛ لأنك ستكون مستهدفًا من الطرفين، سواء كنت مع الجيش أو مع الدعم السريع. كانت الجثث في كل مكان”.

من الخرطوم إلى بلفاست

كانت شقيقة سومة قد انتقلت إلى بلفاست قبل سنوات، وبعد وصول سومة إلى لندن، قررت اللحاق بها. تصف المدينة اليوم بأنها “لطيفة إلى حد كبير”.

تقول:

“شقيقتي تعيش هنا منذ خمس أو ست سنوات. أنا أدرس حاليًّا دورة عبر الإنترنت في كينغز كولدج (King’s College). كنت أنوي العودة إلى السودان بعد الانتهاء، لكن العودة لم تعد ممكنة”.

وتتابع:

“قالت لي شقيقتي: لماذا لا تبقين في بلفاست وتقدّمين طلب لجوء؟ فكرت في الأمر، وكان الخيار الأسهل، فنحن لم يعد لدينا بلد نعود إليه”.

وتشير إلى أنها وجدت بلفاست أكثر ترحيبًا من لندن، بفضل وجود شقيقتها وشبكة دعم اجتماعي جاهزة.

مجتمع يصنع الأمان من جديد

Solidarity with Sudan
تضامن مع ضحايا الحرب في السودان. (العفو الدولية).

في بلفاست، يجتمع أفراد الجالية السودانية، ومعظمهم من النساء والأطفال، في لقاءات أسبوعية داخل كنيسة ريديمر سنترال (Redeemer Central)، حيث يطبخون ويتبادلون الحديث ويشاركون تجاربهم.

إحدى منسقات هذه اللقاءات هي تواصل محمد، التي وصلت إلى شمال بريطانيا عام 2016، وتعمل حاليًّا مع منظمة بي بي آر (PPR)، وهي جمعية تُعنى بالدفاع عن حقوق المهاجرين.

تقول تواصل:

“لو سُئلت عن بلفاست، سأقول إنها مدينة مرحبة جدًّا. رغم كل ما نراه من عنصرية اليوم، فإن الحصيلة النهائية بالنسبة لي أنها لا تزال مكانًا مرحبًا”.

وتستعيد تجربتها الأولى:

“عندما جئت قبل تسع سنوات، كان معظم الناس لطفاء ومتعاونين. سكنت في عدة مناطق، إحداها أردوين. هناك تلقيت دعمًا كبيرًا. لم أجد مربية لأطفالي في البداية، فكانت امرأة مسنة في الشارع تساعدني”.

وتضيف:

“قالت لي يومًا إنهم يفهمون ما نمرّ به، لأنهم هم أنفسهم عاشوا تجربة الصراع، ولهذا لديهم إحساس قوي بالمجتمع”.

تضامن يُشعر بالوجود

ترى سومة أن وصول عائلتها إلى شمال بريطانيا في سنوات سابقة كان أصعب، لكن المشهد اليوم مختلف، مع تنامي مجتمع مهاجرين أكثر حيوية يشكّل شبكة دعم متبادلة.

تقول:

“أشعر بالامتنان لأنني وجدت هنا منظمات تعمل على جعل الحياة أكثر ودية لنا. في اليوم الثاني لوصولي، كان هناك احتجاج في بلفاست ضد الحرب في السودان. في أماكن أخرى، لا يعرفون حتى ما يحدث هناك”.

وتضيف:

“رؤية كل هؤلاء الناس يتجمعون دعمًا لنا كانت لحظة كبيرة”.

لماذا لا تُرى حرب السودان؟

Fleeing and waiting: the path of Sudanese refugees crossing the ...
تفاقم الأزمة الإنسانية في السودان

عند سؤال تواصل عن سبب غياب التغطية الإعلامية الدولية المكثفة للحرب، رغم وصف الأمم المتحدة لها بأنها أسوأ أزمة إنسانية في العالم، لا تتردد في الإجابة.

تقول:

“العنصرية جزء من الأمر. كلما اتجهت جنوبًا في إفريقيا، قلّ الاهتمام. كثيرون يرون أن هذا مجرد ‘إفريقيا’، وكأن العنف جزء طبيعي منها”.

وتتابع:

“كما أن هناك رغبة لدى حكومات غربية في تجاهل ما يحدث، لأن الاعتراف بالحرب يعني الاعتراف بأدوار تاريخية في صناعتها. كثير من النزاعات في السودان وإفريقيا هي نتيجة مباشرة للاستعمار”.

مفارقة الحرب واللامبالاة

أصوات لاجئين في شمال بريطانيا يروون الهروب من حرب مدمّرة
حرب منسية ومأساة إنسانية في السودان

تشير منصة العرب في بريطانيا (AUK) إلى أن تجربة اللاجئين السودانيين في شمال بريطانيا تكشف مفارقة قاسية يصعب تجاهلها: حرب خلّفت مئات الآلاف من القتلى وملايين النازحين، وتُصنَّف دوليًّا أسوأ كارثة إنسانية في العالم، لكنها لا تحظى إلا بقدر محدود من الاهتمام السياسي والإعلامي الغربي. وفي مقابل هذا التجاهل، يبرز تضامن مجتمعي محلي في مدن مثل بلفاست، يوفّر للاجئين مساحات أمان ودعم لا تعوّض خسارة الوطن، لكنها تكشف فجوة أخلاقية بين فداحة المأساة وحجم الالتفات إليها.

المصدر: ذا أيريش نيوز (The Irish News)


اقرأ أيضاً

اترك تعليقا

آخر فيديوهات القناة