العرب في بريطانيا | حين تصبح المقارنة ظلمًا… لماذا لا يُقاس القطاع ...

1447 شوال 23 | 11 أبريل 2026

حين تصبح المقارنة ظلمًا… لماذا لا يُقاس القطاع الصحي (NHS) بعيادة خاصة في بلادنا؟

حين تصبح المقارنة ظلمًا… لماذا لا يُقاس القطاع الصحي (NHS) بعيادة خاصة في بلادنا؟
عدنان حميدان January 31, 2026

من المفارقات التي تستحق التوقّف عندها طويلًا، ذلك الشغف العربي المتكرّر بعقد مقارنات غير عادلة بين خدمةٍ طبيةٍ خاصة في بلدٍ عربي، وبين الخدمة الصحية العامة في بريطانيا (NHS)، وكأننا نقارن بين شيئين من الفئة نفسها، أو بين نظامين وُلدا في السياق ذاته ويخضعان للمنطق نفسه.

والحقيقة أن هذه المقارنة، في جوهرها، ليست سوى مقارنة بائسة، لا تظلم النظام البريطاني بقدر ما تفضح سطحية من يروّج لها.

فعندما يُستدعى تصريح لمريضٍ أجنبي تلقّى علاجًا في مستشفى خاص عربي، وتُرفع شهادته إلى مصاف «الإنجاز الوطني»، ثم تُقارَن تلك التجربة بخدمةٍ عامة تستقبل يوميًا ملايين البشر من مختلف الأعمار والخلفيات والحالات الطبية، فإننا لا نمارس تحليلًا… بل نمارس تضليلًا ذاتيًا مريحًا.

فالقطاع الطبي الخاص، في أي دولة في العالم، قادر على تقديم خدمة ممتازة لمن يدفع.
هذه ليست معجزة، ولا بطولة.

الفرق الجوهري — الذي يتجاهله مروّجو هذه المقارنات — أن الـNHS ليس مستشفى خاصًا، ولا مشروعًا ربحيًا، ولا خدمة انتقائية، بل هو نظام وطني شامل يقوم على مبدأ بسيط، لكنه ثوري في جوهره:

العلاج حق… لا امتياز

الصحة NHS تفتتح أول مستشفى "أونلاين" في بريطانيا وسط انتقادات ساخرة

في مستشفيات بريطانيا، يقف المواطن والمهاجر واللاجئ والزائر، وحتى عابر الطريق، في الصف ذاته.

لا يُسأل أحد عن جنسيته قبل إسعافه، ولا عن رصيده قبل إدخاله غرفة الطوارئ.

والتمييز الوحيد المقبول هناك هو خطورة الحالة الطبية، لا حجم الحساب البنكي.

نعم، يعاني الـNHS من ضغطٍ شديد، ونقصٍ في الكوادر، وطوابير انتظار طويلة في بعض التخصصات، وأخطاء لا يمكن إنكارها.

لكن، رغم كل ذلك، يبقى هذا النظام — بشهادة منصفين كُثر — أفضل بمراحل من الخدمات الصحية الحكومية العامة في معظم دولنا العربية.

ليس لأنه مثاليّ، بل لأنه عادل.

فدافع الضرائب في بريطانيا، ورغم ما يدفعه من نسبٍ مرتفعة، يحصل في المقابل على:

•علاج مجاني في المستشفيات والمراكز الصحية
•خدمات إسعاف وطوارئ دون مقابل
•أدوية شبه مجانية أو مدعومة
•رعاية صحية شاملة للفئات الأضعف
•حماية صحية كاملة لمستفيدي الإعانات الاجتماعية

وكل ذلك ضمن منظومة واحدة، شفافة، خاضعة للمساءلة، ويمكن لأي مواطن أن ينتقدها علنًا دون خوف.

قارن ذلك، بإنصاف، مع واقع أن آلاف المرضى في بعض بلداننا العربية لا يجدون موعدًا طبيًا، ولا سريرًا، ولا دواءً؛ وأن أمراضًا يمكن الوقاية منها ما تزال تحصد الأرواح، وأن نسب التهاب الكبد الوبائي والأمراض المزمنة باتت مقلقة، لا بسبب ضعف الطب، بل بسبب غياب العدالة الصحية.

ثم نأتي لنقول: «مستشفانا الخاص أفضل من مستشفيات بريطانيا».

حسنًا…
لكن ماذا عن المستشفى الحكومي؟
وماذا عن المواطن الفقير؟
وماذا عمّن لا يملك ثمن العلاج أصلًا؟

السؤال الأصدق ليس:
هل لدينا مستشفى فاخر؟

بل: هل لدينا نظام صحي يحمي الجميع؟

ولو فُتحت أبواب بريطانيا يومًا لمواطني بعض الدول العربية دون قيود، فليتخيّل المرء فقط حجم الأعداد الراكضة نحوها… لا حبًا في الطقس، ولا إعجابًا بالضباب، بل بحثًا عن الكرامة الصحية قبل أي شيء آخر.

فالنقد الصادق لا يُقاس بشهادة فردية، ولا يُختزل في مقطع مصوّر، ولا يُبنى على مقارنة مبتورة.

النقد الحقيقي يبدأ حين نعترف أن قوة الدول لا تُقاس بأفضل ما فيها،
بل بكيفية تعاملها مع أضعف مواطنيها.

وحتى ذلك الحين، ستبقى المقارنة بين عيادة خاصة في بلد عربي، ونظام صحي عام مثل الـNHS، ليست إنصافًا…
بل هروبًا من الحقيقة.


اقرأ أيضًا:

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا