الصوت العربي في الإعلام البريطاني: حضور أم تهميش؟
في طريقي اليومي عبر شوارع لندن، أشغّل الراديو المحلي كما يفعل كثير من السائقين هنا؛ بحثًا عمّا يُذهب رتابة الازدحام. بين نشرات الأخبار وحوارات المستمعين، تمتد رحلتي ومعها تتقافز على الأثير أسئلة الناس وما يشغلهم.
بوصفي عربيًّا يعيش في لندن منذ أكثر من عشر سنوات، أرى في هذه العادة وسيلة تبقيني على تماس مع ما يحدث في البلاد، وتفتح أمامي نوافذ للحوار مع الآخرين. وبرغم أن العالم ينتقل اليوم إلى شاشة الهاتف، يبقى للراديو سحره الخاص؛ إنه صوت البلاد وهي تتحدث إلى نفسها.
في الأسابيع الماضية، كادت كل المحطات البريطانية تُخصِّص ساعات لنقاش مسألة الحرب على غزة. أصغيتُ طويلًا للأصوات والآراء، لكن ما غاب تمامًا عن الأثير هو الصوت العربي، ذاك الذي يعرف المنطقة ويدرك تفاصيلها، والذي لو أُتيح له أن يُسمع، لقدم رواية أكثر اكتمالًا وإنسانية.
وربما لا يعود هذا الغياب إلى قلّة المبادرات فقط، بل أيضًا إلى محدودية عدد الإعلاميين العرب، وندرة فرص تدريبهم أو الثقة بهم داخل المؤسسات البريطانية. عندها تساءلت: هل نحن الغائبون باختيارنا، أم المغيَّبون بمنظومة لا تمنحنا مساحة عادلة؟ وهل يكفي الحضور الثقافي إن صمتنا في النقاش العام؟
تقصير أم إقصاء؟
تشير الدراسات إلى أن حضور العرب في الصحافة البريطانية محدود جدًّا، وفي الغالب يُستدعى الصوت العربي عند مناقشة قضايا الإرهاب أو الشرق الأوسط فقط. فالمسلمون لا يشكلون سوى 0.4 في المئة من الصحافيين البريطانيين، وعدد العرب بينهم هامشي.
وتؤكد تقارير ميدانية حديثة أن المشكلة ليست عددية فحسب، بل تعود إلى تمييزٍ داخل المؤسسات الإعلامية ضد الصحافيين المسلمين، وخصوصًا النساء.
فقد أظهر تقرير مركز رصد الإعلام (CfMM) أن 92 في المئة من الصحافيات المسلمات العاملات في الإعلام البريطاني يرَيْن أن الصور السلبية عن الإسلام متجذرة في غرف الأخبار، وأن 72 في المئة منهن تعرضن للتمييز، في حين فكّر 60 في المئة في مغادرة المهنة بسبب المحيط العدائي، ولا سيما خلال تغطية الحرب على غزة.
وتصف الصحافيات ما يُعرف بـ“التناقض بين الظهور والإقصاء”: فبينما تُستقطب بعضهن لإظهار التنوع، يُسمح لهن غالبًا بتغطية موضوعات دينية فقط، وتُنتقص أدوارهن التحريرية. أما من يرتدين الحجاب فهنّ الأكثر تعرضًا للعزل والمضايقات والفوارق في الأجور.
وقد وثّقت تقارير عديدة وشهادات لصحافيات بارزات مثل ميشال حسين (BBC) وفاطمة منجي (Channel 4) ونسرين مالك (Guardian) هذه المعاناة، مؤكدات أن بيئة الإعلام البريطاني لا تزال بعيدة عن تمثيل التنوع الحقيقي.
مع ذلك، يُشير بعض الباحثين إلى أن ضعف الحضور يرتبط أيضًا بحجم الجالية نفسها، ما يجعل المقارنة مع جاليات أكبر كالهندية أو الباكستانية غير دقيقة. ورغم ذلك، فإن الاقتصار على استدعاء المتحدثين العرب في سياقات أمنية يكرّس الصورة النمطية ويؤكد غياب التمثيل المتوازن.
التغطية الإعلامية للقضايا العربية
في تغطية الحرب على غزة وغيرها من الأزمات، يُظهر الإعلام البريطاني انحيازًا واضحًا ضد الرواية العربية، إذ تُستخدم مفردات مختلفة بحسَب هُوية الضحايا: “مجزرة” عندما يسقط إسرائيليون، و“سقوط قتلى” عند الحديث عن الفلسطينيين. كما تُمنح كوارث أوروبا مساحات أكبر من تلك المخصصة للأزمات في اليمن أو السودان أو سوريا.
تحاول بعض المؤسسات البريطانية معالجة هذا الخلل عبر إتاحة مساحات أوسع للرواية الفلسطينية والعربية، لكن هذه الجهود لا تزال محدودة. وبحسَب مراقبين، فإن التحيز لا يخلو من خلفيات سياسية، لكنه أيضًا مرتبط بطبيعة السوق الإعلامي البريطاني الذي يوجّه تغطيته وفق اهتمامات جمهوره.
المؤسسات العربية: صوت ضعيف في ساحة صاخبة
رغم وجود مؤسسات عربية كالمركز العربي البريطاني والمركز المجتمعي العربي، يبقى تأثيرها الإعلامي محدودًا ويقتصر غالبًا على الأنشطة الثقافية والاجتماعية. فهي تعتمد على ميزانيات صغيرة ودعم تطوعي، ولا تملك أدوات الضغط السياسي والإعلامي الفعالة التي تملكها جاليات أخرى.
نمتلك مبادرات ثقافية مهمة، لكننا نفتقر إلى المنصات القادرة على التأثير في الرأي العام وصناعة القرار.
قلة القيادات والناطقين الرسميين
لا يوجد حضور عربي مؤسسي واضح في الإعلام البريطاني على غرار الجاليات اليهودية أو الهندية، رغم وجود قرابة مليون عربي في لندن ومانشستر وبرمنغهام. هذا الفراغ يُسهم في اتساع الفجوة بين الرأي العام البريطاني والجالية العربية، ويعمّق الصورة النمطية عن العرب والمسلمين.
في المقابل، بدأت أصوات عربية شابة تظهر في الإعلام الرقمي، تقدم محتوى مهنيًّا متوازنًا عن تجربة العيش في بريطانيا، وهو تحوّل يمكن أن يشكّل نواةً لحضورٍ إعلامي عربي جديد.
بنية الإعلام البريطاني وعوامل القصور
تعود جذور المشكلة أيضًا إلى طبيعة الإعلام البريطاني الذي يميل إلى القصص المثيرة أكثر من القضايا الاجتماعية العميقة، إضافة إلى ضعف تواصل المؤسسات العربية معه وعدم امتلاكها أدوات التسويق الحديثة. وهناك ما يمكن تسميته “الإقصاء غير المباشر”، عبر تفضيل النخب المعتادة على الأصوات الجديدة أو “الغريبة عن المؤسسة”.
إن بناء جسور مهنية بين الصحافيين العرب ونظرائهم البريطانيين يبقى أكثر فاعلية من الاكتفاء بالنقد من الخارج. فالحوار واستمرار التفاعل داخل المؤسسات هو الطريق لتصحيح الصور المتبادلة وتوسيع الفهم المتقاطع.
ومن الوسائل الفعّالة لتعزيز الحضور أن يشارك الصوت العربي في النقاشات المحلية البريطانية، لا ليقتصر على قضايا الشرق الأوسط. حين يتحدث طبيب عربي عن أزمات منظّمة الصحة الوطنية (NHS)، أو أكاديمي عربي عن التعليم وحقوق الطلاب، يكتسب المتحدث مصداقية مهنية تُمكّنه لاحقًا من أن يكون صوتًا معتبرًا أيضًا في الشأن العربي.
إن بناء الحضور يبدأ من المشاركة الندية في قضايا المجتمع اليومي، قبل الانتقال إلى الملفات الجيوسياسية الكبرى. ومع توسّع الإعلام الرقمي، لم يعد الطريق إلى الجمهور البريطاني يمر فقط عبر القنوات التقليدية، بل عبر منصات جديدة تتيح سرد الرواية العربية بالإنجليزية بطرق حديثة ومؤثرة.
نحو حضور عربي فاعل
يتطلب الأمر إعداد جيل من الإعلاميين العرب يمتلكون فهمًا مزدوجًا للثقافتين، ويجيدون مخاطبة الإعلام البريطاني بلغته وأسلوبه.
نحتاج إلى منصات عربية تتحدث إلى البريطانيين لا عنهم، وتنقل قضايا الجالية العربية بزاوية إنسانية ومهنية بعيدة عن الانفعال.
ولعل منصات مثل العرب في بريطانيا أدت دورًا مهمًّا في توثيق حضور الجالية، لكنها ما زالت تخاطب العرب بلغتهم أكثر مما تخاطب المجتمع البريطاني. وربما آن الأوان لتوسيع هذا الدور بإعداد كوادر إعلامية عربية تشارك في البرامج البريطانية، وتساهم في صناعة الصورة لا في التعليق عليها فقط.
حين يصبح للعرب صوتٌ فاعل في الإعلام البريطاني، لن يكونوا بعد اليوم موضوعًا للنقاش، بل طرفًا في صياغة رواية البلاد التي يعيشون فيها. عندها فقط يمكن القول إننا لم نعد صدى لصوتٍ آخر، بل صوتًا حقيقيًّا يعبّر عن ذاته ومجتمعه بثقة ووعي وبلاغة.
اقرأ أيضًا:
- بين ضغوط الغربة وراحة البال: كيف تغيّر الحديث عن الصحة النفسية في مجتمعنا؟
- استكشاف المهجّر والعمل على الاستفادة من فترة الوجود فيه
- من بلفور إلى الحصار.. رحلة بريطانيا في صناعة ألم الفلسطينيين
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇

https://www.facebook.com/share/v/1ALUBRzVMG/