فواتير الطاقة في خطر: كيف ستدفع الأسر البريطانية ثمن التصعيد العسكري في الشرق الأوسط؟
في وقتٍ تتصاعد فيه التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، بدأت التداعيات الاقتصادية تصل سريعًا إلى بريطانيا، مع تحذيرات متزايدة من أن الأسر البريطانية قد تواجه موجة جديدة من ارتفاع فواتير الطاقة إذا استمر اضطراب أسواق النفط والغاز العالمية.
وتشير المعطيات الأولية إلى أن الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، وما تبعها من ردودٍ إيرانية على عدة دول في المنطقة، دفعت بالفعل أسعار النفط والغاز إلى الصعود، وهو ما ينذر بانتقال الأثر قريبًا إلى المستهلك البريطاني.
صدمة فورية في أسواق الطاقة

كان الانعكاس الأكثر وضوحًا للتصعيد في أسواق الوقود الأحفوري؛ فالتوترات في الخليج العربي — أهم شريان عالمي للطاقة — أدت عمليًا إلى تعطّلٍ حيوي في السوق.
فالتهديدات العسكرية الإيرانية للسفن العابرة في مضيق هرمز جعلت العديد من الناقلات غير قابلة للتأمين، فيما اصطفت عشرات السفن على جانبي الممر البحري شمال رأس الخيمة بانتظار التعليمات.
كما أن استهداف إيران لمحطات نفط وغاز رئيسة في السعودية وقطر — أحد أبرز منتجي الغاز الطبيعي المسال — بعث برسالة واضحة مفادها أن البنية التحتية للطاقة باتت هدفًا مباشرًا في هذا الصراع.
ومنذ اندلاع المواجهة، ارتفعت أسعار النفط بنحو 18 في المئة، ليدنو خام برنت — أحد أهم أنواع النفط الخام في العالم — من مستوى 83 دولارًا للبرميل، منهيًا فترةً من الاستقرار النسبي كانت مدفوعة بوفرة المعروض.
ومن المتوقع أن يظهر أثر ذلك تدريجيًا في أسعار الوقود داخل بريطانيا؛ إذ ارتفعت بالفعل أسعار البنزين بالجملة بنسبة 2.3 في المئة، والديزل بنسبة 7 في المئة.
لكن القلق الأكبر في بريطانيا لا يتعلق بالوقود فقط، بل بأسعار الغاز التي تشكّل حجر الأساس في نظام الطاقة البريطاني.
لماذا يشكّل الغاز مصدر القلق الأكبر؟
يحتل الغاز موقعًا محوريًا في الاقتصاد البريطاني، ليس فقط كمصدر للتدفئة والطاقة المرنة، بل لأنه يحدد سعر الكهرباء في السوق ككل.
ولهذا السبب، جاء الارتفاع الأخير حادًا ومقلقًا؛ فقد تضاعفت أسعار الغاز بالجملة في بريطانيا أكثر من مرتين خلال أيام قليلة، متجاوزة 150 بنسًا لكل وحدة حرارية.
ورغم أن هذه القفزة لا تزال دون المستويات القياسية التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا — حين تجاوزت الأسعار 600 بنس لكل وحدة، ودفعت متوسط الفواتير السنوية فوق 4 آلاف باوند — فإنها تمثل إنذارًا مبكرًا للأسواق وصانعي القرار.
هل سترتفع فواتير المنازل فورًا؟

في المدى القريب، يتمتع المستهلكون ببعض الحماية؛ فقد حدّدت هيئة تنظيم الطاقة البريطانية (Ofgem) الأسبوع الماضي سقف الأسعار للفترة من إبريل إلى يونيو عند مستوى يقل بنحو 7 في المئة عن الأسعار الحالية.
لكن هذه الحماية مؤقتة بطبيعتها.
وتعتمد (Ofgem) في حساب سقف الأسعار على بيانات الأشهر الثلاثة السابقة — وهي نافذة بدأت الآن — ما يعني أن صدمات الأسعار المرتبطة بحرب الشرق الأوسط قد تنعكس على السقف التالي بعد يونيو.
لذلك يرى خبراء أن الوقت الحالي قد يكون مناسبًا لمراجعة تعرفة الطاقة، خاصةً أن العروض ذات الأسعار الثابتة المتاحة اليوم قد لا تبقى متوفرة بحلول الصيف.
وعلى عكس الأسر، لا تستفيد الشركات من سقف الأسعار؛ وبحسب طبيعة العقود، قد يجد المستخدمون التجاريون أنفسهم مكشوفين بالكامل أمام أي زيادات في فواتير الطاقة.
وإذا طال أمد الصراع، فمن المرجح أن تتزايد الضغوط على الحكومة البريطانية للتدخل وخفض تكاليف الطاقة على قطاع الأعمال.
وأعاد التصعيد إشعال الجدل السياسي في بريطانيا حول استراتيجية الطاقة، خاصة خطة التوسع في الطاقة المتجددة لخفض الانبعاثات، والتي يصفها وزير الطاقة إد ميليباند بأنها السبيل إلى “إنهاء أفعوانية الوقود الأحفوري”.
وقد أصبح هدف “صافي الصفر” خط انقسام واضح في السياسة البريطانية:
•حزب العمال يريد تسريع الانتقال الأخضر.
•المحافظون تراجعوا عن بعض التزاماتهم السابقة.
•حزب “ريفورم” اليميني المتطرف يسعى إلى تسييس الملف.
ويمنح التصعيد الحالي كلا المعسكرين حججًا إضافية:
•أنصار “صافي الصفر” يرون أن قفزات الأسعار تؤكد ضرورة الاستثمار في بدائل طويلة الأجل.
•المعارضون يرون أن الحل يكمن في تعظيم إنتاج الوقود الأحفوري المحلي في بحر الشمال.
وكان حزب العمال قد حظر تراخيص حفر جديدة، ومدّد ضريبة الأرباح الاستثنائية على شركات النفط والغاز، مشيرًا إلى تراجع طويل الأمد في احتياطيات الحوض.
ورغم أن إنتاج بحر الشمال يُباع في الأسواق العالمية — وبالتالي لا يضمن أسعارًا أرخص محليًا — فإن مؤيدي التوسع يشيرون إلى أن الإنتاج المحلي، على الأقل، أقل انبعاثًا من الواردات.
لا يزال من المبكر الجزم بما إذا كان التصعيد الحالي موجة عابرة أم بداية أزمة طويلة. لكن المؤشرات في الأسواق واضحة: إذا استمرت تقلبات النفط والغاز، فإن الأسر البريطانية ستشعر بالأثر عاجلًا أم آجلًا — سواء عبر مضخات الوقود أو فواتير الطاقة المنزلية.
المصدر: سكاي نيوز
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇
