العرب في بريطانيا | حين يصبح الجميع أطباء نفسيين: عنونة الآخر.. وال...

1447 شعبان 9 | 28 يناير 2026

حين يصبح الجميع أطباء نفسيين: عنونة الآخر.. والتشخيص للجميع

حين يصبح الجميع أطباء نفسيين عنونة الآخر.. والتشخيص للجميع
محمد صالح January 8, 2026

قد تبدو ملاحظاتنا اليومية بسيطة، لكنها تكشف أحيانًا عن فجوات عميقة في فهمنا للصحة النفسية. لم أدرك حجم هذا الخلل إلا حين استحضرت من صندوق الذاكرة موقفين بدَوَا في حينهما عابرين، لكنهما ألقيا ضوءًا كاشفًا على بعض التصورات الخاطئة الشائعة.

الموقف الأول كان مع صديق لي، طبيب عظام، يظهر اهتمامًا بعلم النفس إلى حدّ أن هذا الاهتمام تحوّل إلى عدسة يقرأ بها كل ما حوله. لا يكاد يدور بيننا حديث إلا ويتسلّل إليه تفسير نفسي جاهز؛ فكل اختلاف يصبح “حالة”، وكل سلوك غير مألوف يُختزل في تشخيص سريع، وكأن البشر فقدوا تعقيدهم الإنساني، ليُعاد تعريفهم ضمن قوالب نفسية مبسّطة تُطلَق بثقة لا يرافقها علم أو تقييم مهني حقيقي.

أما الموقف الثاني، فكان مع صديق آخر، طبيب تخدير، أخذ يروي لي معاناته مع رئيسه في العمل، واصفًا إياه بأنه يعاني من “عقدة الاضطهاد”. لم يكن الوصف بحد ذاته ما أثار انتباهي، بل سهولة تكراره لاحقًا على أشخاص مختلفين، وكأن التشخيص أصبح تفسيرًا مريحًا يُسقَط على كل علاقة متوترة أو تجربة غير منسجمة.

المفارقة أن كلا الصديقين يحملان لقب “دكتور”، وكلاهما لا يقبل أن يتعدّى أحد على حدود تخصصه أو يصدر أحكامًا مهنية في مجاله، ومع ذلك بدت هذه الحدود رخوة حين تعلّق الأمر بعلم النفس. وليس في هذا اتهام للأطباء ولا انتقاص من مكانتهم، لكن حمل اللقب لا يمنح صاحبه، ولا غيره، رخصة الجرأة على علم قائم بذاته، له أدواته ومنهجه ومسؤولياته، حتى وإن دُرّست بعض مبادئه في كليات الطب.

وإذا كان هذا يحدث في الأحاديث الخاصة، فما بالنا بالدراما التي تفيض بقصص المعالجات النفسية، وغالبًا ما تُكتب نصوصها بأقلام غير المتخصصين، وتُعرض على الشاشات سعيًا وراء نسب مشاهدة أعلى؟ أو بتطبيقات على الأجهزة الذكية تمارس “التشخيص عن بُعد”؟ إنها ظاهرة آخذة في الاتساع، تقوم على عنونة من حولنا، بحيث لا بد أن يحمل كل شخص توصيفًا أو ملصقًا نفسيًا جاهزًا.

من الوعي إلى الفوضى

لا شك أن الحديث عن الصحة النفسية لم يعد محرّمًا كما كان في السابق في مجتمعاتنا العربية، وهذا تطور إيجابي أسهم في كسر الوصمة المرتبطة بالاضطرابات النفسية. غير أن هذا الوعي، حين خرج عن إطاره العلمي، تحوّل إلى حالة من الفوضى المعرفية. بات الجميع يتحدثون بلغة التشخيص، ويستخدمون مصطلحات نفسية معقّدة في سياقات يومية عادية، دون إدراك لخطورة هذا التبسيط المُخلّ.

تشخيص بلا علم

التشخيص النفسي ليس رأيًا شخصيًا ولا انطباعًا عابرًا، بل عملية علمية دقيقة تقوم على تقييم شامل، وأدوات قياس، وفهم للسياق الفردي لكل حالة. ومع ذلك، أصبح من الشائع أن يُوصَف الحزن بالاكتئاب، والتوتر بالقلق المرضي، والاختلاف في الطباع باضطراب في الشخصية. هذا الخلط لا يضر بالمفاهيم العلمية فحسب، بل يدفع الأفراد إلى تبنّي هوية “المريض النفسي” دون حاجة حقيقية، ويخلق اعتمادًا غير مبرر على العلاج الدوائي.

وفي خضم هذا الانتشار الواسع للخطاب النفسي، تغيب أحيانًا مسألة جوهرية تتعلق بالمسؤولية الأخلاقية. فالتشخيص النفسي ليس توصيفًا لغويًا عابرًا، بل فعل مهني يترتب عليه أثر نفسي واجتماعي عميق. إطلاق تشخيص على شخص ما قد يغيّر نظرته إلى ذاته، ويؤثر في علاقاته وقراراته، وربما يدفعه إلى تبنّي دور المريض دون حاجة حقيقية.

وحين يصدر هذا التشخيص عن غير مختص، أو دون تقييم علمي متكامل، يتحوّل إلى حكم اختزالي يُلصَق بالإنسان بدل أن يفسّر تجربته. عندها يفقد علم النفس جوهره الإنساني، ويتحوّل من أداة للفهم والمرافقة إلى أداة تصنيف، تُختزل فيها التجربة البشرية الواسعة في مسمّى واحد أو وصف جاهز.

الهشاشة النفسية في عصر الخطاب السريع

أسهم هذا الخطاب في تعزيز الهشاشة النفسية بدل معالجتها، إذ بات الإنسان أقل قدرة على تحمّل ضغوط الحياة الطبيعية. أي تجربة صعبة تُفسَّر كدليل على خلل داخلي، وأي فشل يُقرأ كعرض مرضي، ما يضعف المرونة النفسية ويجعل الفرد في حالة ترقّب دائم لاضطراب محتمل.

الهشاشة النفسية لا تعني بالضرورة وجود مرض، بل تعكس تراجع القدرة على المواجهة والتكيّف. وهذه الظاهرة ليست نفسية فردية فحسب، بل تتأثر أيضًا بالمجتمع والثقافة المحيطين بالإنسان، تمامًا كما تتأثر بالعوامل النفسية الذاتية.

دور وسائل التواصل الاجتماعي

لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا مركزيًا في تعميق هذه الظاهرة، إذ امتلأت المنصات بمحتوى نفسي يُقدَّم غالبًا بلا مرجعية علمية واضحة. أشخاص يتحدثون بثقة عن التشخيص والعلاج دون معرفة مؤهلاتهم أو التحقق منها، في خطاب يجمع بين التبسيط المُخلّ والتخويف غير المباشر. هذا المحتوى لا يقدّم وعيًا حقيقيًا، بل يعزّز القلق، ويغذّي الشعور بالهشاشة، ويدفع الناس إلى البحث عن تشخيص لأنفسهم ولغيرهم.

العيادات النفسية بين الحاجة والهلع

لا يمكن إنكار أن ازدياد الإقبال على العيادات النفسية يعكس وعيًا متناميًا بأهمية العلاج النفسي وحاجة حقيقية لدى كثيرين. لكن السؤال المشروع يبقى: هل كل من يرتاد هذه العيادات مريض نفسي؟ وهل كل تدخل نفسي ضرورة علاجية؟ في ظل هذا المناخ المشحون بالخوف من “المرض النفسي”، يصبح من الضروري إعادة ضبط البوصلة بين العلاج الضروري والتدخل المبالغ فيه.

نحو فهم أكثر اتزانًا للصحة النفسية

إن مواجهة الهشاشة النفسية لا تبدأ بالتشخيص، بل بالفهم. بفهم أن الألم جزء من التجربة الإنسانية، وأن المرور بمشاعر صعبة لا يعني بالضرورة وجود اضطراب. تبدأ ببناء وعي متوازن يُقدّر التخصص، ويعيد الاعتبار للمسؤولية الفردية، ويشجّع على تطوير القدرة على التكيّف، وبناء علاقات داعمة، والابتعاد عن العلاقات السامة، دون إنكار الحاجة إلى المساعدة المتخصصة حين تكون ضرورية فعلًا.

الوعي بالصحة النفسية مكسب لا جدال فيه، لكن حين يتحوّل إلى وعي مفرط بلا ضوابط علمية، يصبح عبئًا جديدًا على الإنسان. ما نحتاجه اليوم ليس مزيدًا من التشخيصات، بل مزيدًا من الفهم، ولا مزيدًا من التخويف، بل خطابًا يعيد الإنسان إلى حجمه الحقيقي: كائن معقّد، يتألم، يتعافى، وقد تنهك نفسه أحيانًا ثم تستعيد حياتها من جديد. هذا ليس اضطرابًا، بل جزء طبيعي من التجربة الإنسانية، مع كامل الاحترام للحاجة إلى التدخل المتخصص في الحالات النفسية الفعلية.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا

آخر فيديوهات القناة