استدعاء عاجل لماندلسون في تحقيق إبستين بالكونغرس
في تطور جديد ضمن التحقيقات الأمريكية المتواصلة حول شبكة الجرائم المرتبطة بالملياردير الراحل جيفري إبستين، وجّه ديمقراطيون في مجلس النواب الأمريكي استدعاءً عاجلًا إلى اللورد بيتر ماندلسون، مطالبين إياه بالمثول أمام الكونغرس للإدلاء بشهادته بشأن طبيعة علاقته بإبستين، وسط تأكيدات من مشرعين بأن اللورد البريطاني السابق قد يمتلك «معلومات حاسمة» تتعلق بشركاء إبستين وممكّنيه.
وبحسب ما ورد في الرسالة التي بعث بها أعضاء ديمقراطيون إلى ماندلسون يوم الجمعة، فإن لجنة الرقابة في مجلس النواب تسعى للحصول على إفادة رسمية ضمن تحقيقها الجاري حول ما وصفته بـ«عمليات إبستين الإجرامية»، في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام السياسي والإعلامي الأمريكي بكشف خيوط العلاقات التي أحاطت بالمتحرّش بالأطفال، والجهات التي ساعدته أو سهّلت له نشاطاته.
«أدلة عديدة» على روابط وثيقة

ووفقًا للاستدعاء الذي حصلت عليه صحيفة التلغراف البريطانية، قال أعضاء الكونغرس إن «العديد من الأدلة ظهرت إلى العلن» خلال الفترة الأخيرة، وتدل على وجود «روابط وثيقة» جمعت بين اللورد ماندلسون وجيفري إبستين «على مدى عدة سنوات».
وأكد المشرعون في رسالتهم أنهم يعتقدون أن ماندلسون، الذي شغل سابقًا منصب وزير الأعمال في بريطانيا، قد تكون بحوزته «معلومات بالغة الأهمية» يمكن أن تساعد التحقيقات في الوصول إلى هوية المتورطين الذين عملوا مع إبستين أو قدّموا له الحماية والنفوذ.
وجاء في الرسالة الموقعة من الديمقراطيين سوهـاس سوبرامانيام وروبرت غارسيا:
«ورغم أنك لم تعد تشغل منصب السفير البريطاني لدى الولايات المتحدة، واستقلت من مجلس اللوردات، فمن الواضح أنك كنت تمتلك روابط اجتماعية وتجارية واسعة مع جيفري إبستين، وتحوز معلومات حاسمة تتعلق بتحقيقنا في عمليات إبستين».
طلب مقابلة «مُدوّنة» مع طاقم اللجنة
وفي لهجة تعكس جدية التحقيق، شددت الرسالة على أن اللجنة ترغب في إجراء مقابلة رسمية «مُدوّنة» مع ماندلسون، بهدف توثيق إفادته بشكل كامل ضمن الملفات الخاصة بالقضية، ولا سيما في ظل ما وصفته الرسالة بـ«الادعاءات المروّعة» المتعلقة بسلوك إبستين.
وأضاف النواب: «وبالنظر إلى الادعاءات المروّعة بشأن سلوك إبستين، نطلب منك أن تجعل نفسك متاحًا لإجراء مقابلة مُدوّنة مع طاقم اللجنة بشأن جرائم جيفري إبستين وشركائه».
وطلب أعضاء الكونغرس من ماندلسون الرد على الدعوة بحلول 27 فبراير/شباط، مشيرين إلى أن التحقيق يتسم بـ«الإلحاح والخطورة»، وأن هدفهم الأساسي هو «كشف هويات شركاء السيد إبستين وممكّنيه، وفهم النطاق الكامل لعملياته الإجرامية».
لا صلاحية قانونية لإجباره على المثول
ورغم أن الاستدعاء يحمل طابعًا رسميًا ويأتي من لجنة تابعة للكونغرس، فإن التقرير يشير إلى أن الكونغرس لا يمتلك صلاحية قانونية لإجبار اللورد ماندلسون على الحضور أو الإدلاء بشهادته تحت القسم، باعتباره أجنبيًا يعيش خارج الولايات المتحدة.
ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان ماندلسون سيقبل الدعوة، ولا سيما أن استدعاءات مشابهة في القضية لم تُقابَل دائمًا بالاستجابة.
وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى أن أندرو ماونتباتن-ويندسور كان قد استُدعي في نوفمبر/تشرين الثاني للإدلاء بشهادته حول علاقته بإبستين، إلا أنه لم يرد على الطلب.
ماندلسون ينفي معرفته بجرائم إبستين

وكان اللورد ماندلسون قد نفى في أكثر من مناسبة أي علم له بجرائم إبستين، مؤكدًا أنه لم يطّلع على أي سلوك إجرامي خلال فترة معرفته به. وذهب إلى حد القول إن إبستين لم يعرض عليه أو يسهّل له أي تعارفات مع نساء، مرجعًا ذلك إلى كونه «رجلًا مثليًا».
وقال ماندلسون في تصريحات سابقة أدلى بها في سبتمبر/أيلول: «طوال الوقت الذي كنت فيه على علاقة به، لم أرَ أي خطأ. لم أرَ أي دليل على نشاط إجرامي».
وأضاف: «لم أطلب، ولم يُعرَض عليّ أي تعارف مع نساء بالطريقة التي يُزعم أنه فعلها مع آخرين. ربما لأنني رجل مثلي».
إقالة من منصبه بعد الكشف عن استمرار العلاقة
ورغم هذه التصريحات، تعرّض ماندلسون لضغوط كبيرة بعد الكشف عن استمرار علاقته بإبستين حتى بعد إدانته عام 2008 بتهمة طلب الدعارة من قاصر، وهو ما أدى لاحقًا إلى إقالته من منصب السفير البريطاني لدى الولايات المتحدة في سبتمبر/أيلول.
ووصف التقرير هذه التطورات بأنها تمثل «سقوطًا مدويًا» لماندلسون، الذي كان يُعد أحد أبرز رموز حزب العمال البريطاني، وخدم خلال مسيرته السياسية ثلاثة رؤساء وزراء.
وثائق ضخمة تعيد فتح الملف
وبحسب التقرير، عاد ماندلسون إلى دائرة الضوء السياسي الأمريكي بعد نشر نحو ثلاثة ملايين وثيقة كانت الحكومة الأمريكية تحتفظ بها حول إبستين في 30 يناير/كانون الثاني، وهي وثائق أثارت موجة جديدة من الأسئلة حول الشخصيات التي ارتبطت بالملياردير الراحل.
ومن بين الوثائق المنشورة، ظهرت رسائل بريد إلكتروني تفيد بأن ماندلسون قام بتسريب معلومات حكومية سرية إلى إبستين أثناء توليه منصب وزير الأعمال في حكومة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق غوردون براون.
كما تضمنت الملفات صورًا نشرتها وزارة العدل الأمريكية تظهر ماندلسون واقفًا بملابسه الداخلية إلى جانب امرأة جرى حجب وجهها، في مشاهد أثارت جدلًا واسعًا. وذكرت شبكة سكاي نيوز أن الصور التُقطت داخل شقة إبستين في باريس.
وقد أشار الديمقراطيون إلى هذه الوقائع بشكل مباشر في رسالتهم، باعتبارها من الأسباب التي دفعتهم إلى طلب شهادة ماندلسون.
تحويلات مالية و«تبرع»
وأظهرت الوثائق كذلك أن إبستين أرسل إلى ماندلسون نحو 75 ألف دولار (ما يعادل 55 ألف باوند) بين عامي 2003 و2004.
كما كشفت أن إبستين قدّم في عام 2009 مبلغ 10 آلاف باوند إلى شريك ماندلسون، رينالدو أفيلا دا سيلفا، لدعم دورة في تقويم العظام.
وعلّق ماندلسون على هذه المعلومات بالقول إنه «لا يتذكر إطلاقًا أو يمتلك سجلات بتلقي» هذا المال، مضيفًا: «أعتقد أنني كنت سأتذكر مبلغًا كبيرًا كهذا».
وتحت وطأة تداعيات القضية، أعلن ماندلسون استقالته من حزب العمال في 1 فبراير/شباط، قائلًا إنه لا يريد أن يتسبب للحزب بـ«مزيد من الإحراج». كما أعلن تنحّيه عن مجلس اللوردات، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة لتقليل الأضرار السياسية المرتبطة باسمه.
تحقيقات الشرطة البريطانية والضغط على ستارمر

في المقابل، لا تتوقف التداعيات عند حدود التحقيق الأمريكي، إذ أكد التقرير أن شرطة العاصمة البريطانية (Metropolitan Police) تحقق حاليًا في ادعاءات تفيد بأن ماندلسون مرّر معلومات حكومية حساسة إلى إبستين.
كما امتدت الأزمة إلى رئيس الوزراء البريطاني السير كير ستارمر، الذي يواجه تساؤلات حادة حول قراره السابق بتعيين ماندلسون سفيرًا لدى الولايات المتحدة، وسط اتهامات بأن التعيين تم رغم وجود مؤشرات واضحة حول عمق علاقته بإبستين.
وقال ستارمر إنه لم يكن على علم بـ«عمق» تلك العلاقة قبل اتخاذ قرار التعيين، إلا أن التقرير كشف أن موظفين حكوميين قدموا لرئيس الوزراء في عام 2024 ملف «تحقق واجب» يتضمن شرحًا مفصلًا لروابط ماندلسون بإبستين.
ماكسويل تلتزم الصمت أمام اللجنة
وفي تطور آخر مرتبط بالقضية، ظهرت غيسلين ماكسويل، صديقة إبستين السابقة، أمام اللجنة عبر رابط فيديو من داخل السجن يوم الاثنين، حيث تقضي حكمًا بالسجن لمدة 20 عامًا بتهمة الاتجار الجنسي بالفتيات لصالح إبستين.
وخلال الجلسة، التزمت ماكسويل الصمت، مستندة إلى التعديل الخامس في الدستور الأمريكي الذي يتيح لها الامتناع عن الإجابة تجنبًا لتجريم الذات.
كلينتون وزوجته أمام الكونغرس
ومن المقرر، وفقًا للتقرير، أن يدلي الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون وزوجته هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، بشهادتيهما أمام الكونغرس يومي 26 و27 فبراير/شباط.
وأشار التقرير إلى أن الزوجين كانا قد تعرّضا لتهديد بعقوبة السجن بعدما رفضا في البداية الإدلاء بالشهادة، في إشارة إلى مدى حساسية الملف واتساع دائرة الشخصيات التي باتت تحت المجهر السياسي والقانوني في الولايات المتحدة.
تحقيق يتسع وأسئلة تتزايد
ويعكس الاستدعاء الموجّه إلى اللورد ماندلسون اتساع التحقيقات الأمريكية حول شبكة إبستين، في ظل إصرار أعضاء الكونغرس على كشف هوية المتورطين في تمكينه أو التستر عليه، سواء كانوا شركاء مباشرين أو شخصيات نافذة ضمن دوائر المال والسياسة.
وفي الوقت الذي لا يزال فيه الغموض يحيط بقرار ماندلسون بشأن قبول الدعوة، تبدو الرسالة التي وجّهها الديمقراطيون محاولة واضحة لزيادة الضغط السياسي عليه، وربط شهادته المحتملة بمسار تحقيق بات يطال شخصيات دولية بارزة، ويهدد بإعادة فتح ملفات قديمة على نطاق أوسع خلال الأسابيع المقبلة.
المصدر: التلغراف
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇
