العرب في بريطانيا | لغزّة نصيبٌ من دعواتنا في رمضان

1447 رمضان 6 | 23 فبراير 2026

لغزّة نصيبٌ من دعواتنا في رمضان

لغزّة نصيبٌ من دعواتنا في رمضان
أميرة عليان تبلو February 23, 2026
Listen to the article
0:00 / 0:00
AI Voice Generated by Moknah.io

في رمضان، لا تكون الدعوة مجرّد كلمات تُقال بعد الإفطار أو همساتٍ تُرفع في جوف الليل، ولكن تغدو فعلَ انتماءٍ أخلاقي، وشهادةَ ضمير، وامتحاناً حقيقيّاً لمعنى الإيمان. وفي قلب هذا الشهر، الّذي تتطهّر فيه الأرواح وتلين القلوب، تقف غزّة بوصفها السؤال الأصعب: هل تظلّ الدعوات طقوساً فردية، أم تتحوّل إلى التزامٍ إنساني لا يسقط بالتقادم؟

رمضان انعكاس الواقع الأصدق، وفيه نختبر قدرتنا على رؤية الألم، بوصفه مسؤولية. وغزّة، بما تحمله من وجعٍ مزمن، ليست بعيدة عن هذا المعنى، وإنّما هي في صلبه. لأن الصوم تمرينٌ على الإحساس بالآخر، على الجوع الذي لا يملك موعداً للإفطار، وعلى الخوف الذي لا يعرف ليلاً آمناً.

حين نجلس إلى موائدنا، تتراكم الصحون، وتفيض النعم، ونستعيد تلقائياً دعاء “اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت”. لكن في مكانٍ آخر، لا يُقال هذا الدعاء بنفس الطمأنينة. هناك من يفطر على القليل، أو لا يفطر أصلاً. هناك من ينتظر الأذان لا ليأكل، بل ليتأكد أنه ما زال حيّاً. من هنا، تصبح الدعوة لغزّة في رمضان فعلَ عدالة رمزية، محاولةً لردّ الخلل في ميزان العالم، ولو بالكلمة.

في غزّة بشرٌ يشبهوننا أكثر مما نتصوّر. أمهات يعددن طعام الإفطار بقلق، أطفال يحفظون أسماء الطائرات أكثر من أسماء الألعاب، وشيوخ يرفعون أيديهم بالدعاء، طلباً للنجاة. في رمضان، تتكثّف هذه الصورة، لأن الشهر يعرّي الفوارق، ويجعل الصمت أكثر ثقلاً.

أمّا عن الدعاء في رمضان، فهو ليس هروباً من الفعل، كما يحلو للبعض أن يصفه، وإنّما هو الحدّ الأدنى من الحضور. هو أن تقول: “أنا أراك”، في عالمٍ اعتاد أن يدير ظهره. هو أن ترفض التطبيع مع الألم، وأن تُبقي الجرح مفتوحاً في الذاكرة، لا في الجسد. فالدعاء الذي لا يغيّر شيئاً في القلب، ليس دعاءً، هو ترديد أجوف.

ولأنّ رمضان شهر الجماعة، لا الفرد، فإن الدعوة لغزّة تتجاوز الخصوصية. هي ليست دعوة “لهم” فقط، ولنا أيضاً: دعوة لأن نراجع مفهوم الأخوّة، وحدود التعاطف، وسقف الأخلاق. هل يكفي أن نحزن؟ هل يكفي أن نغضب؟ أم أن المطلوب هو ألا نسمح للحزن أن يتحوّل إلى اعتياد؟

في ليالي رمضان، حين يطول السجود، وتُفتح أبواب السماء، تتزاحم الدعوات: للرزق، للشفاء، للفرج، للمستقبل. وغزّة تستحق أن تكون في هذا الزحام، بوصفها يا أصدقاء ضرورة إنسانية. لأن الدعاء الذي لا يشمل المظلوم، يظلّ ناقصاً، مهما بدا كامل الصياغة.

غزّة تذكّرنا بأن الصبر عبء ثقيل يُفرض على من لا خيار له. وتذكّرنا بأن الحديث عن الأمل، من دون الاعتراف بالظلم، نوعٌ من التواطؤ غير المقصود. لذلك، فإن الدعاء لغزّة في رمضان هو أيضاً دعاءٌ ضد التبلّد، ضد النسيان، ضد اللغة الباردة التي تختصر المآسي في أرقام.

ليس المطلوب أن نحمّل الدعاء أكثر مما يحتمل، ولا أن نُعفي أنفسنا من أي دور آخر. لكن المطلوب ألّا نستخفّ به. فالكلمة، حين تُقال بصدق، تترك أثراً، ولو في داخلنا. والدعاء، حين يكون صادقاً، يعيد ترتيب البوصلة: يذكّرنا بمن نحن، وأين نقف، وما الذي لا يجوز أن نعتاد عليه.

رمضان يعلّمنا أن الجوع مؤقّت، وأن العطش يزول، وأن الليل، مهما طال، يعقبه فجر. لكن غزّة تعيش جوعاً بلا توقيت، وعطشاً بلا نهاية، ولياليَ لا تَعِد دائماً بصباح. من هنا، يصبح الدعاء لها في رمضان وعداً أخلاقيّاً: ألا ننسى، ألا نبرّر، وألا نختصر القضية في موسمية التعاطف.

في النهاية، غزّة لا تطلب منّا الكثير. لا تطلب خطابات، ولا شعارات، ولا مواقف مثالية. تطلب فقط أن تبقى حيّة في ضمائرنا. أن يكون لها نصيب من دعواتنا، دون حساب ذلك كواجب ثقيل، وإنّما كامتداد طبيعي لإيمانٍ يقول إن الظلم مرفوض، وإن الإنسان لا يُقاس بمكانه على الخريطة.

وفي رمضان، حيث تُختبر القلوب أكثر من الأجساد، يبقى السؤال مفتوحاً: أيّ صيامٍ هذا الذي لا يشعر بجوع الآخرين؟ وأيّ دعاءٍ هذا الذي يتجاوز المظلوم؟

لغزّة نصيبٌ من دعواتنا، ليس لأنها الأشدّ وجعاً فقط، ربّما لأنها تذكّرنا، كلّ رمضان، بما يجب ألّا ننساه أبداً.


 

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا