مخاوف من ضياع تبرعات رمضان بسبب إغلاق الحسابات البنكية لجمعيات إسلامية بريطانية
تواجه الجمعيات الخيرية في بريطانيا أزمة متصاعدة تهدد بوصول ملايين الباوندات من التبرعات الرمضانية إلى مناطق الأزمات العالمية. وتأتي هذه التحذيرات في ظل سياسة “إغلاق الحسابات البنكية” (Debanking) التي تتبعها المصارف البريطانية تجاه المجموعات الإسلامية، ما يضع المشاريع الإنسانية الحيوية في مهب الريح.
سخاء في التبرع وعوائق في التنفيذ
وفقاً لتقرير صادر عن مركز أبحاث “Equi” في ديسمبر/كانون الأول الماضي، يتبرع المسلمون في بريطانيا بأربعة أضعاف ما يتبرع به الشخص البالغ العادي.
ويبلغ هذا السخاء ذروته خلال شهر رمضان المبارك، حيث يحرص المصلون على إخراج زكاة أموالهم (2.5% من فائض الثروة) لدعم الفقراء، إيمانًا منهم بمضاعفة الأجر في هذا الشهر.
ورغم أن جزءًا من هذه الأموال يذهب لمكافحة الفقر داخل بريطانيا، إلا أن الغالبية العظمى تُوجه لإغاثة المنكوبين في مناطق الصراعات.
ومع ذلك، يرى الخبراء أن القيود المصرفية المشددة تعني أن العديد من هذه المساعدات لن تصل إلى وجهتها، خاصة في ظل تقليص المعونات الدولية الرسمية.
السودان ومناطق الأزمات: “خارج النظام المالي”
يوضح فادي عيتاني، الرئيس التنفيذي لمنتدى الجمعيات الخيرية الإسلامية (MCF)، أن الأزمة الإنسانية في السودان كشفت عن عمق الفجوة، حيث تكافح الجمعيات لإقناع البنوك بتحويل الأموال.
وفي هذا الإطار قال: “هذه العقبات تعطل العمليات الإغاثية الأساسية وتقوض تقديم المساعدات المنقذة للحياة. البنوك، ضمن استراتيجيات ‘تقليل المخاطر’، ترفض خدمة الجمعيات العاملة في مناطق تعتبرها عالية المخاطر كالسودان، مما جعل العديد من المنظمات مستبعدة فعلياً من النظام المالي.”
استهداف غير متناسب وتدقيق مفرط
تشير بيانات منتدى الجمعيات الخيرية الإسلامية إلى أن المنظمات الإسلامية تعاني بشكل كبير من السياسات البنكية، حيث رُصدت الحالات التالية:
- انتظار طويل: اضطرت بعض المنظمات للانتظار لمدة تصل إلى 3 سنوات لمجرد فتح حساب بنكي.
- إغلاق مفاجئ: إغلاق حسابات قائمة دون تقديم تفسير أو إعطاء حق الاستئناف.
- كلمات محظورة: جُمّدت معاملات مشروع لعلاج الأطفال المصابين بالسرطان في تركيا لمجرد استخدام عبارة “لاجئون سوريون” في خانة المرجع.
- تحقيقات مكثفة: تعرضت الجمعيات لاستجوابات تعسفية عند محاولة إرسال أموال إلى فلسطين، سوريا، أو باكستان.
“الرايات الحمراء” والمخاوف الأمنية
من جانبها، ترى الدكتورة سامانثا ماي، المحاضرة في جامعة أبردين، أن الجمعيات الإسلامية باتت تتجنب حتى المحاولة للعمل في مناطق شديدة الاحتياج مثل أفغانستان لتفادي “الرايات الحمراء”.
وتؤكد أن البنوك أحيانًا ترفض تقديم الخدمات بناءً على فحوصات خلفية تعتمد على مقالات غير موثقة تعود لفترة ما بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول.
وعلى الرغم من أن هذه السياسات قد لا تستهدف المسلمين بشكل مباشر في تصميمها، إلا أن الدكتورة ماي تؤكد أنها تصيبهم في الصميم لأنهم الفئة الأكثر نشاطاً في “الدول الهشة”.
تآكل الثقة والبحث عن حلول تشريعية
أدت هذه الممارسات إلى حالة من الحذر لدى المانحين والمساجد؛ حيث صرح مدير مسجد في شرق لندن بأنهم باتوا يكتفون بدعم عدد محدود من الجمعيات (4 فقط) لضمان القدرة على مراقبة مسار الأموال بشكل مباشر، بعيدًا عن التدقيق الإضافي الذي يواجهه الشركاء.
وفي محاولة لإيجاد مخرج قانوني، دعا رازيب حسن، المدير المالي في منظمة “Muslim Aid”، إلى الاقتداء بالنموذج الفرنسي والبلجيكي الذي يجعل امتلاك حساب بنكي “حقًا قانونيًا”، وهو ما يدعمه إيتاني مؤكدًا أن هذا التشريع سيوفر موارد الجمعيات للعمل الإنساني بدلاً من استنزافها في المعارك الإدارية.
رد الجهات الرقابية
في المقابل، أقرت هيئة السلوك المالي (FCA) بوجود صعوبات حقيقية تواجه الجمعيات الخيرية، وأكدت أنها أصدرت توجيهات في عام 2024 تطالب البنوك بـ:
- التعامل بمرونة وتناسب مع مخاطر الجرائم المالية.
- عدم تطبيق نهج “تعميمي” على كافة الجمعيات الخيرية.
- الالتزام بتوقعات واضحة في كيفية إدارة حسابات القطاع الخيري.
ويبقى التحدي قائمًا أمام هذه الجمعيات لتحويل هذه التبرعات المليونية إلى طعام ودواء في وقت تعصف فيه الأزمات بملايين البشر حول العالم.
المصدر: الغارديان
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇
