لماذا يدفع الأثرياء ضرائب أقل من الفقراء في بريطانيا (دليل ضريبي متكامل)
يعد النظام الضريبي في بريطانيا واحداً من أكثر الأنظمة تعقيداً وتفرعاً في العالم. وبينما يُروج له كنموذج للعدالة الاجتماعية القائم على “التصاعدية“، إلا أن الفحص الدقيق لآليات عمله يكشف عن مفارقة اقتصادية لافتة: الأثرياء، بنسب مئوية من إجمالي تدفقاتهم المالية، غالباً ما ينتهي بهم الأمر بدفع حصة أقل من الطبقة المتوسطة والفقيرة.
بالنسبة للعرب في بريطانيا، سواء كانوا مقيمين دائمين، مستثمرين، أو زواراً، فإن فهم هذه الجدلية ليس مجرد ترف فكري، بل هو ضرورة حتمية لحماية الثروات وفهم البيئة القانونية التي تحكم ممتلكاتهم. إن الفجوة ليست ناتجة عن “خرق القانون“، بل عن “استخدام القانون” بطريقة لا يملك الفقراء المعرفة أو الموارد للوصول إليها.
فلسفة الضرائب: فخ “الدخل” مقابل جنة “الثروة“

يكمن السر الأول في الإجابة على سؤالنا في كيفية تعريف النظام لما يدخل إلى جيب الفرد. في بريطانيا، تُقسم الأموال إلى فئات، وكل فئة تُعامل بمنطق مختلف تماماً.
ضريبة الدخل (Income Tax): عقوبة العمل الجاد؟
تعتمد الغالبية العظمى من العرب في بريطانيا على “الدخل المباشر” الناتج عن الوظيفة أو المهنة. هذا الدخل هو الأكثر تعرضاً للاقتطاع الضريبي. تبدأ الشرائح من 20% وتصل إلى 45% للدخول التي تتجاوز 125,140 باوند سنوياً. يضاف إليها مساهمات التأمين الوطني. هذا يعني أن الموظف عالي الدخل قد يجد نفسه يتخلى عن نحو نصف كل باوند إضافي يكسبه لصالح الخزينة العامة.
ضريبة الأرباح الرأسمالية (Capital Gains Tax): حيث يزدهر الأثرياء
الأثرياء والبريطانيون العرب ذوو المحافظ الاستثمارية الضخمة لا يعتمدون على الرواتب. نمو ثرواتهم يأتي من ارتفاع قيمة الأصول: عقارات، أسهم، لوحات فنية، أو شركات.
المفارقة هنا أن ضريبة الأرباح الرأسمالية في بريطانيا –تاريخياً– تظل أقل بكثير من ضريبة الدخل. فبينما يدفع الطبيب أو المهندس 40% أو 45% ضريبة على دخله، قد يدفع المستثمر الذي ربح مليون باوند من بيع أسهم نسبة 20% فقط. هذا التفاوت الجوهري هو السبب الأول في أن نسبة الضريبة الإجمالية للأثرياء تنخفض كلما زادت ثرواتهم المعتمدة على الأصول لا على الجهد البدني أو الساعات المكتبية.
التأمين الوطني: الضريبة الخفية “التراجعية“

يُعرف التأمين الوطني (National Insurance) بأنه ضريبة تُدفع مقابل الحصول على معاش الدولة واستخدام النظام الصحي. لكن هيكليتها تجعلها عبئاً أكبر على الفقراء منها على الأثرياء:
سقف المساهمة: بمجرد أن يتجاوز دخل الموظف حداً معيناً، تنخفض نسبة المساهمة في التأمين الوطني بشكل حاد (من حوالي 8% إلى 2% على الدخل الإضافي). هذا يعني أن الشخص الذي يتقاضى 100 ألف باوند يدفع نسبة مئوية “فعالة” من إجمالي دخله للتأمين الوطني أقل من الشخص الذي يتقاضى 30 ألف باوند.
الإعفاء الاستثماري: الأثرياء الذين يعيشون على عوائد الإيجارات أو أرباح الأسهم لا يدفعون باونداً واحداً كـ “تأمين وطني” على هذه الدخول. بالنسبة للزوار العرب إلى بريطانيا الذين يمتلكون عقارات مؤجرة، فإن هذا الدخل يحظى بميزة تنافسية ضخمة مقابل دخل العمل المباشر.
هيكلة الشركات: تحويل “المعيشة” إلى “مصاريف أعمال“
يستخدم الأثرياء والشرائح الميسورة من البريطانيين العرب هيكل “الشركة المحدودة” (Limited Company) كدرع قانوني ومالي. الفرق بين الفرد والشركة في النظام البريطاني هو فرق هائل:
الفرد: يدفع الضريبة على ما يكسبه قبل أن ينفق باونداً واحداً على إيجاره أو طعامه.
الشركة: تدفع الضريبة (Corporation Tax) فقط على “الأرباح” المتبقية بعد خصم كافة التكاليف التشغيلية.
الأثرياء يضعون سياراتهم، هواتفهم، سفرهم، وحتى مكاتبهم المنزلية ضمن مصاريف الشركة. هذا يقلل من الربح الخاضع للضريبة بشكل كبير. ثم يقوم صاحب الشركة بسحب الأموال عبر “أرباح الأسهم” (Dividends) التي تتمتع بإعفاء شخصي إضافي ومعدلات ضريبية أقل من الرواتب، ودون الحاجة لدفع تأمين وطني.
نظام (Non-Dom): ميزة العولمة للثروات العابرة للقارات
لطالما كان وضع “المقيم غير المتوطن” (Non-Domicile) حجر زاوية في جذب الأثرياء إلى لندن. هذا النظام يسمح للبريطانيين العرب أو الزوار العرب إلى بريطانيا الذين يمتلكون أصولاً ضخمة خارج المملكة المتحدة بالعيش في البلاد دون دفع ضرائب على دخولهم العالمية، بشرط عدم جلب تلك الأموال إلى الحسابات البنكية البريطانية.
بينما يدفع المقيم العادي ضريبة على كل باوند يكسبه سواء داخل بريطانيا أو خارجها، يستطيع الثري “العالمي” إدارة إمبراطوريته من منزله في “مايفير” دون أن يمس النظام الضريبي البريطاني ثرواته في الخارج. ورغم التعديلات المستمرة على هذا القانون، تظل الهياكل القانونية البديلة (مثل الصناديق الائتمانية الخارجية) متاحة لمن يملك تكلفة استشارتها.
ضريبة الميراث: كيف تتبخر الثروات الكبيرة قانونياً؟

تعتبر ضريبة الميراث في بريطانيا (Inheritance Tax) من أكثر الضرائب المكروهة، حيث تصل نسبتها إلى 40% على ما يتجاوز 325 ألف باوند. لكن هذه الضريبة في الواقع تُصيب الطبقة المتوسطة “الثرية عقارياً” أكثر مما تصيب الأثرياء الحقيقيين.
الأثرياء يستخدمون استراتيجيات “التخطيط المسبق” التي لا يستطيع الفقراء تحملها:
الصناديق الائتمانية (Trusts): وضع الأصول في صندوق ائتماني يعني أنها لم تعد ملكاً للفرد قانونياً، وبالتالي لا تدخل في حسبة الميراث عند وفاته.
قاعدة السبع سنوات: يقوم الأثرياء بإهداء مبالغ ضخمة وأصول لأبنائهم قبل سنوات طويلة من الوفاة. إذا عاش الواهب 7 سنوات بعد الهبة، تصبح معفاة تماماً من الضريبة. الفقير الذي لا يملك سوى منزله لا يمكنه “إهداؤه” وهو لا يزال يسكن فيه.
الإعفاءات الزراعية والتجارية: الاستثمار في الأراضي الزراعية أو شركات معينة يمنح إعفاءً من ضريبة الميراث يصل إلى 100%. الأثرياء يوجهون سيولتهم لهذه الأصول “لتحصينها” ضد الضريبة عند الانتقال للأجيال القادمة.
العقارات والاستثمار: اللعبة المفضلة في بريطانيا
العقارات هي العشق الأبدي للمستثمرين والزوار العرب إلى بريطانيا. النظام الضريبي هنا يعطي ميزة واضحة للمستثمر الكبير على الصغير:
تجميع المحافظ: المستثمر الذي يمتلك 10 عقارات عبر شركة يمكنه خصم كافة فوائد القروض العقارية من أرباحه قبل دفع الضريبة، بينما المستثمر الصغير (الفردي) لا يستطيع فعل ذلك، مما يرفع ضريبته الفعالة بشكل كبير.
تجديد الأصول: الأثرياء ينفقون باونداتهم في تحسين العقارات، وهي تكاليف تُخصم من الأرباح الرأسمالية المستقبلية. هم “يدخرون” ضرائبهم في جدران عقاراتهم التي ترتفع قيمتها بمرور الزمن.
القيمة المضافة (VAT): الضريبة التي لا تفرق بين غني وفقير
تعتبر ضريبة القيمة المضافة (20%) ضريبة “عمياء“. عندما يشتري شخص فقير ملابس أو أجهزة كهربائية، يدفع 20% ضريبة. وعندما يشتري الثري نفس الشيء، يدفع نفس النسبة.
ولكن، بما أن الفقير ينفق 100% من دخله على الاستهلاك، فإنه يدفع ضريبة القيمة المضافة على معظم باونداته. أما الثري، فهو ينفق جزءاً يسيراً من دخله على الاستهلاك، ويوجه الباقي للاستثمار (الذي لا يخضع لضريبة القيمة المضافة). بالتالي، نسبة ما يدفعه الفقير كضريبة استهلاك من إجمالي دخله أعلى بكثير من نسبة الثري.
غياب ضريبة الثروة الشاملة

في بريطانيا، لا توجد ضريبة على “امتلاك” الثروة، بل على “تحقيق” الدخل أو الربح. إذا كنت تمتلك مليار باوند في حسابك أو في قيمة أسهمك ولم تبعها، فأنت لا تدفع باونداً واحداً كضريبة ثروة. الأثرياء غالباً ما يقترضون بضمان أسهمهم (لتمويل حياتهم المترفة) بدلاً من بيعها، لأن القرض ليس “دخلاً” وبالتالي لا يخضع للضريبة. هذه الاستراتيجية تُعرف بـ “Buy, Borrow, Die” وهي المحرك الأساسي لنمو ثروات العائلات الكبرى دون انتقاص ضريبي.
نصائح استراتيجية للتعامل مع النظام الضريبي البريطاني
لكي تقترب من كفاءة الأثرياء في إدارة أموالك داخل بريطانيا، يجب اتباع خطوات مدروسة قانونياً:
عظّم مساهماتك في الصناديق التقاعدية: المعاشات التقاعدية (Pensions) هي أكبر ثغرة قانونية للأفراد. كل باوند تضعه هناك، تعيد لك الحكومة جزءاً من ضريبتك فيه. بالنسبة للبريطانيين العرب في الشرائح العليا، هذا يمثل عائداً فورياً يصل إلى 40%.
استثمر في حسابات ISA: لا تترك مدخراتك في حسابات توفير عادية. حساب ISA يسمح لك باستثمار 20 ألف باوند سنوياً مع إعفاء كامل للأبد من ضرائب الأرباح والفوائد. الأثرياء يستخدمون هذا البدل لكل أفراد العائلة سنوياً بلا استثناء.
هيكلة الملكية المشتركة: إذا كنت تمتلك عقاراً، فتأكد من تسجيله بطريقة (Tenants in Common) وليس (Joint Tenants) إذا كنت ترغب في توزيع حصص الدخل والإرث بطريقة تخفف العبء الضريبي على الشريك صاحب الدخل الأقل.
التبرعات الذكية (Gift Aid): العرب في بريطانيا معروفون بحب الخير. استخدام نظام Gift Aid لا يفيد الجمعية الخيرية فحسب، بل يتيح لمن هم في شرائح الضريبة العليا استرداد جزء من الضريبة التي دفعوها على ذلك المبلغ عبر إقرارهم الضريبي السنوي.
التخطيط المبكر للميراث: لا تنتظر حتى سن متأخرة. ابدأ بالتفكير في نقل الأصول أو استخدام الصناديق الائتمانية التعليمية للأبناء قبل وقت طويل لتجاوز قاعدة السبع سنوات.
الاستفادة من البدلات السنوية: يمتلك كل فرد بدلاً سنوياً للأرباح الرأسمالية وبدلاً للأرباح الموزعة (Dividends). عدم استخدام هذه البدلات يعني ضياع فرصة قانونية لتسييل بعض الأرباح بدون ضريبة.
المصادر والمراجع الموثوقة (روابط كاملة)
للحصول على أدق المعلومات والتحديثات التشريعية، يرجى متابعة الروابط التالية:
دليل الضرائب الرسمي للحكومة البريطانية: https://www.gov.uk/browse/taxing-people
هيئة الضرائب والجمارك الملكية (HMRC) – أسعار وشرائح الضريبة: https://www.gov.uk/income-tax-rates
المعهد البريطاني للدراسات المالية (IFS) – تحليلات الفجوة الضريبية: https://ifs.org.uk/taxlab/taxlab-data-item/how-do-tax-rates-compare-different-sources-income
مكتب إحصاءات الثروة والضرائب في المملكة المتحدة: https://www.ons.gov.uk/economy/governmentpublicsectorandtaxes/publicsectorfinance
دليل التخطيط لضريبة الميراث والصناديق الائتمانية: https://www.gov.uk/trusts-taxes
بهذا العرض الموسع، نكون قد وضعنا بين أيديكم الخارطة التي تفسر لماذا يبدو النظام الضريبي منحازاً لمن يملكون الثروة. السر دائماً يكمن في “نوع المال” وليس في “كميته“.
إقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇
