العرب في بريطانيا | لعبة الكلمات.. حينما تُغير الألفاظ وجه الحقيقة

1447 شعبان 29 | 17 فبراير 2026

لعبة الكلمات.. حينما تُغير الألفاظ وجه الحقيقة

لعبة الكلمات.. حينما تُغير الألفاظ وجه الحقيقة
عادل يوسف January 10, 2026

أكبر كذبة هي التي تتكرر حتى تصبح حقيقة.

جورج أوريل من رواية ١٩٨٤

من يُطالع تاريخنا الإسلامي يجد أنه يزخر بالعديد من الجماليات في الأقوال والأفعال والمقاصد. فبالحديث عما جاء في باب الكلام تحديدًا نجد أن القرآن الكريم يقطُر جمالًا من حيث إنه ينأى عن ذكر ما يشين ويستبدله بما يزين، فيزداد النص بهاءً ولا ينقص معنى، كما في قوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾ لاحظ إيراد كلمة (لامس) على سبيل الكناية تلطيفًا لعملية الجماع.

وهو ما صار يُعرف مؤخرًا بالتلطيف اللغوي: أي يسعى المتحدث إلى انتقاء ألفاظ لا تُنفّر المتلقي لقبحها وأثرها السيِّئ على النفس، كما فعل ابن الخطاب لمّا وجد قومًا قد تحلّقوا حول نارٍ أضرموها، فناداهم: يا أهل الضوء، ولم يقل لهم يا أهل النار.

وقد أشار إلى المعنى ذاته الإمام الجُرجاني في كتابه (المنتخب من كنايات الأدباء وإرشادات البُلغاء): واعلم أن الأصل في الكنايات هي عبارة الإنسان عن الأفعال التي تستر عن العيون عادةً من نحو قضاء الحاجة والجماع بألفاظ تدل عليها غير موضوعة لها؛ تنزهًا عن إيرادها على جهتها، وتحرُّزًا عما وضع لأجلها.

فالعرب استخدمت هذا الأسلوب البلاغي كثيرًا فقالوا: الإيجاز إجاعة اللفظ وإشباع المعن، كأن تقول: فلان كثير الرماد كناية عن كرمه وجوده، وفلان ليس في بيته فأر دلالة على فقره وقلة زاده وهكذا…

بيد أن النفوس الخبيثة من قديم الزمان مردوا على لَيِّ أعناق النصوص الجميلة، وأخرجوها إلى غير معناها التي وضعت لأجله؛ حسدًا من عند أنفسهم. فمن باب “لست بالخبّ ولا الخب يخدعني” -أي لست بالمخادع الغادر ولا المخادع الغادر يخدعني- قد حذرنا الشارع من استخدام لغة قوم قد أخفوا نفاقهم، فقال جلّ شأنه: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم﴾، وسبب نزول الآية كما عند الإمام الطاهر بن عاشور في تفسير التحرير والتنوير أن المسلمين كانوا إذا ألقى عليهم النبي الشريعة والقرآن، يطلبون منه الإعادة والتأني في إلقائه حتى يفهموه ويَعوه، فكانوا يقولون: راعنا يا رسول الله، أي لا تتحرج منّا وارفق.

بيد أن اليهود كانوا يستخدمون الكلمة نفسها ويقصدون بها شيئاً آخر، فبالعبرية راعنا أي لا سمعت. فكانوا يُظهرون أنهم يُريدون الانتفاع ويضمرون سب النبي عليه الصلاة والسلام. فأمر الله المسلمين بالتأدب مع الرسول وعدم التأسي بهم، وأبدلهم كلمةً أخرى تساويها في الحقيقة والمجاز: ﴿وقولوا انظرنا﴾، وهو ما صار أصلًا من الأصول في المذاهب الفقهية بعد تلك الحادثة يُعرف بـ”سد الذرائع”، أي منع الوسائل والأفعال المباحة ظاهريًّا إذا كانت تؤدي غالبًا إلى مفاسد أو محرمات.

فإن قيل وما تفعل الكلمة؟ لِمَ كل هذا اللغط من أجل مفردة واحدة؟ قلت: لأنها -أي الكلمات- تصنع الوعي، والوعي يحدد الموقف.

استنبط الشيخ عبد العزيز الطريفي فائدة جليلة القدر من فعل النبي عليه الصلاة والسلام لما سأله عمرو بن عبسة -زمن الاستضعاف في بدايات الإسلام-: بمَ أرسلك ربك؟ فأجاب: بصلة الأرحام وكسر الأوثان، وأن يُعبد الله وحده لا يُشرك به.

فقال: يجب على الدعاة إلى الله والعلماء النطق بالحق حتى وإن لم يُعمل به؛ كي لا يندرس الحق؛ فيأتي أقوام يقولون ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين.

ولتعلم أهمية تمحيص الكلمات قبل قبولها، خذ زمام المبادرة واسأل القوم: من مكتشف الأمريكيتين؟

سيُجيبك صغيرهم بأنه كريستوفر كولومبوس ولا ريب. بيد أن السؤال بحد ذاته به لوثة عنصرية حتى النخاع، وإلاّ فما معنى “اكتشف” معناه أنك غير موجود حتى تدخل حيز العقل الغربي.

تخيل أن يطرق بابك رجل أبيض البشرة -يُرى عليه أثر العنجهية- بشعر أشقر وابتسامة صفراء، ثم ما إن تفتح حتى يقال لك: تهانينا لقد اكتشفناك!

ثم يُطلقون عليك تسمية لا هي لك ولم يستشيروك بشأنها (الهنود الحمر) فقط لكي يُفرّق هو وجماعته بينك وبين السكان في الضفة الأخرى من الكوكب (الهنود).

لاحظ جُرم عدم تفعيل التفكير النقدي من الوهلة الأولى، ومع مرور الوقت أصبحت كلمة “اكتشف” من المسلَّمات، الكل يتقبلها بصدر رحب، بل قد تُرمى بالزندقة والرجعية إن فكرت في نبذها.

والنتيجة هي استبدال مفردات هائلة مثل (سرقة وقتل ونهب ومجازر… إلخ) بأخرى أجمل وألطف وأرق، تنمي عن فتح عظيم للبشرية (اكتشاف).

أقوى سلاح في يد الظالم هو عقل المظلوم.

ستيف بيكو ناشط من جنوب إفريقيا

ولا يعزُب عنك إن كان هذا التاريخ، فالحاضر أدهى وأمر، فإن أرخيت سمعك للإعلام اليوم تجد أن الكلمات المستخدمة في السياق الفلسطيني مثلًا حمّالة أوجه، كثرة الإذعان لها من دون الضغط على زناد التفكير النقدي يأخذ بيدك إلى مربع الحياد وهذا هو الخطر الحقيقي.

كما أسمته الناشطة في مواقع التواصل الاجتماعي أ. جواهر الرويعي “تطبيع الظلم لغويًّا” إذ تقول: سلاح اللغة من أخطر الأسلحة الفتاكة التي تدخل بيوتنا ومجالسنا بكل سلاسة، فمثلًا استخدام كلمة” اشتباكات” توحي أن هناك فئتين متكافئتين في القوى، لكن الواقع يشير إلى قوة إمبريالية غربية ضد شعب أعزل، فكان الأجدر استعمال كلمة “مجزرة”.

استخدام مفردات تغيّر في سردية الأحداث مثل “تبادل إطلاق نار” يجعلك تتساءل: أكانت رصاصة طائشة تلك التي اخترقت قلب الطفل وأردته قتيلًا؟

أما إذا أرجعت الأمور إلى نصابها فستُدرك أنها “قصف عشوائي”.

تضيف جواهر: بهذا التحوير والكلمات الناعمة تتحول الضحية إلى طرف، ويتحول الجاني إلى طرف آخر مساوٍ له في نفس الطاولة ولديه رأي يجب أن يُسمع.

فإنهاء حياة الألوف المؤلفة ومحوها من السجلات المدنية صار اسمها “أضرار جانبية”، والقمع ارتدى جلباب “حملة أمنية”، والاقتحام الإجرامي تحول إلى “تعزيز سلام” وهكذا دواليك.

اللغة حسَب الدراسات السايكولوجية تصنع وعي الناس، فالكلمة ترسم صورة، والصورة تبني شعورًا، ومع مرور الوقت الشعور يصنع الموقف.

فالتفطن لمثل هذه الألاعيب وجعل الدين القويم هو المعيار يحمي عقولنا من الاحتلال المعرفي.


اقرأ أيضًا:

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا

آخر فيديوهات القناة