اتفاق أوسلو.. أخذت منه إسرائيل ما تريد فقط!
هل أسّس اتفاق “أوسلو” لمسارٍ سياسي، ومنح الفلسطينيين اعترافًا دوليًا أوسع، أم كرّس تقسيم الضفة الغربية إلى مناطق، وأبقى السيطرة الإسرائيلية الواسعة، وجعل المرحلة المؤقتة واقعًا دائمًا دون قيام دولة؟
بين من يراه أفضل ما حققه الفلسطينيون، ومن يراه أكبر اتفاق دمّر الشعب الفلسطيني وقضيته، تتكشّف الكثير من التفاصيل والمعطيات.
بدايةً، فإن “اتفاق أوسلو” هو مجموعة من الاتفاقيات السياسية التي وُقّعت بين منظمة التحرير الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي عام 1993، بعد مفاوضات سرّية جرت في مدينة أوسلو النرويجية، على أن يجري التوقيع الرسمي لاحقًا في واشنطن برعاية الولايات المتحدة.
ويتهم الفلسطينيون إسرائيل بعدم الالتزام ببنود الاتفاق، خصوصًا ما يتعلق بوقف الاستيطان ونقل الصلاحيات، مؤكدين أنها أخذت من الاتفاق ما يخدم مصالحها فقط، مثل التنسيق الأمني.
قضايا الوضع النهائي… ملفات معلّقة
لم تُحسم القضايا الجوهرية التي كان يُفترض التفاوض بشأنها، وأبرزها:
- القدس
- اللاجئون
- الحدود النهائية
- المستوطنات
- المياه
- الترتيبات الأمنية الدائمة
الدولة الفلسطينية… وعد لم يتحقق
كان يُفترض أن تقود المرحلة الانتقالية إلى تسوية نهائية خلال خمس سنوات، غير أنّ دولة فلسطينية مستقلة لم تُقم حتى اليوم.
الاستيطان… تمدد يقوّض الاتفاق
أضعف التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، خصوصًا في المنطقة (ج)، فرص تنفيذ الاتفاق كما كان متوقعًا.
وأظهر تقرير أعدّه المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان استمرار حكومة الاحتلال في تنفيذ مشاريع استيطانية واسعة في الضفة الغربية، تحت مسمّى “تسوية وتسجيل الأراضي”، بما يشكّل خرقًا للقانون الدولي وتهديدًا مباشرًا لحق الفلسطينيين في أراضيهم.
وفي رقم قياسي، صادقت سلطات الاحتلال خلال عام 2025 على بناء أكثر من 28 ألف وحدة استيطانية جديدة في الضفة الغربية، وفق تقرير صادر عن حركة “السلام الآن” اليسارية الإسرائيلية المختصة بمراقبة الاستيطان.
المرحلة الانتقالية… مؤقت دائم
تحوّلت المرحلة الانتقالية من مدة مؤقتة (خمس سنوات) إلى واقع ممتد لأكثر من ثلاثة عقود دون تسوية نهائية.
القدس عاصمة لإسرائيل… تحوّل في الموقف الأميركي

في السادس من ديسمبر/كانون الأول 2017، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب آنذاك اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمةً لإسرائيل، وقرّر نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس.
وبالفعل، افتُتحت السفارة الأمريكية رسميًا في القدس في 14 مايو 2018، بالتزامن مع الذكرى السبعين لإعلان قيام دولة إسرائيل.
جدار الفصل العنصري… تكريس الوقائع على الأرض

شرعت إسرائيل في بناء جدار الفصل عام 2002، ويمتد في أجزاء واسعة من الضفة الغربية. ولا يسير الجدار بالكامل على “الخط الأخضر”، بل يتوغّل في عمق الضفة في مناطق عدة.
ويتكوّن من:
- جدار إسمنتي مرتفع (خاصة قرب المدن).
- أسلاك شائكة، وخنادق، وطرق دوريات، وأبراج مراقبة في مقاطع أخرى.
- عند اكتماله، يُتوقع أن يتجاوز طوله 700 كيلومتر.
وفي عام 2004، أصدرت محكمة العدل الدولية رأيًا استشاريًا اعتبرت فيه أن بناء الجدار داخل الأراضي المحتلة مخالف للقانون الدولي، ودعت إلى إزالته وتعويض المتضررين.
غير أن إسرائيل رفضت هذا الرأي، معتبرةً أنه غير ملزم، وأن الجدار إجراء أمني مشروع.
آثاره على الفلسطينيين
- فصل قرى ومزارعين عن أراضيهم.
- تقييد الحركة عبر بوابات وتصاريح.
- التأثير السلبي على الاقتصاد والتعليم والرعاية الصحية.
- في بعض المناطق، أحاط الجدار بتجمعات سكانية من عدة جهات.
مشروع “إسرائيل الكبرى”… بين الخطاب والواقع
برز في الخطاب السياسي والإعلامي الإسرائيلي مصطلح “إسرائيل الكبرى”، ويُستخدم لوصف فكرة توسيع حدود إسرائيل لتشمل كامل أرض فلسطين التاريخية (الضفة الغربية وقطاع غزة).
وقد ذهب بعض الخطاب الإعلامي الصادر عن قادة الاحتلال، بمن فيهم رئيس الوزراء نتنياهو، إلى التلميح بأن المشروع قد يشمل أجزاءً من دول مجاورة مثل الأردن ومصر.
وتُقرأ السياسات الإسرائيلية المختلفة على أنها تصب عمليًا في توسيع السيطرة، مثل:
- توسيع المستوطنات في الضفة الغربية.
- الدعوات لضمّ أجزاء من المنطقة (ج).
- سنّ قوانين تُكرّس تعريف إسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي (مثل قانون القومية لعام 2018).
في المقابل، توجد تيارات داخل إسرائيل لا تتبنى هذا الطرح وتؤيد حل الدولتين. وتعود نغمة الحديث عن “إسرائيل الكبرى” غالبًا في سياقات تصاعد التوتر أو صعود حكومات يمينية متشددة.
خلاصة المشهد
في المحصلة، لم يكن اتفاق أوسلو هو الاتفاق الذي انتظره الفلسطينيون، بل رآه كثيرون اتفاقًا حقّق للاحتلال أهدافًا أمنية، في حين تواصلت مصادرة الأراضي الفلسطينية عبر الاستيطان وبناء الجدار، واستمرّ حرمان الفلسطينيين من حقوق أساسية.
ولا يزال القلق يعتري الفلسطينيين على حقوقهم المسلوبة وأراضيهم المنهوبة، تحت وطأة الاستيطان والجدار، ومن خلال تشريعات سنّتها إسرائيل وتمضي في تطبيقها رغم مخالفتها للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
لقد قدّم الفلسطيني ما استطاع، وما يزال يصمد في مواجهة تحديات جسام تفوق في كثير من الأحيان قدراته الذاتية. غير أن المرحلة الراهنة تتطلب، إلى جانب الصمود، وحدةً داخليةً صلبة، ومراجعةً وطنيةً شاملة تعيد ترتيب الأولويات، كما تتطلب تضامنًا عربيًا وإسلاميًا فاعلًا يعزّز الموقف الفلسطيني، ويدعم صموده، ويُسهم في الدفع نحو تنفيذ قرارات الأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي.
التعريف بالكاتب: الدكتور عصام يوسف هو رئيس الهيئة الشعبية العالمية لدعم غزة.
اقرأ أيضاً:
- سياسات “الحسم” الإسرائيلية.. انتحار سياسي واختبار أخلاقي لـ”لندن”
- بريطانيا تنضم إلى 15 دولة في إدانة التوسع الاستيطاني الإسرائيلي بالضفة الغربية
- الجارديان: كيف تصاعد عنف المستوطنين بالضفة الغربية بعد وقف العدوان على غزة؟
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇
