البرلمان البريطاني يحقق بالعلاقة بين الحكومة وبنك إنجلترا
أطلقت لجنة الخزانة في البرلمان البريطاني تحقيقًا في العلاقة بين الحكومة وبنك إنجلترا، في وقت تحظى فيه قرارات المصرف المركزي بشأن أسعار الفائدة بمتابعة واسعة، بعد استقرارها عند 3.75 في المئة وسط توقعات بارتفاعها مجددًا.
وتؤثر هذه القرارات في فئة كبيرة من السكان، بدءًا من الباحثين عن عمل الذين ترتفع معدلات البطالة بينهم مع ارتفاع أسعار الفائدة، وصولًا إلى حاملي قروض الرهن العقاري الحاليين والمحتملين الذين يواجهون أقساطًا متزايدة.
كيف يعمل النظام الحالي ولماذا يتعرض للانتقاد؟
صورة تعبيرية (AI)
تراجع لجنة السياسة النقدية في بنك إنجلترا أسعار الفائدة ثماني مرات سنويًا، وتتألف اللجنة من تسعة أعضاء غير منتخبين يتمتعون بالاستقلالية ولا يخضعون للمساءلة أمام الحكومة، رغم التأثير الكبير لقراراتهم على الاقتصاد والأسر.
وحصل البنك على استقلاليته التشغيلية عام 1997، بعد نحو ثلاثة قرون كانت فيها أسعار الفائدة من اختصاص وزير الخزانة، إلى أن غيّر وزير الخزانة آنذاك، غوردون براون، هذا النظام، انطلاقًا من اعتقاده بأن إبقاء القرار بيد السياسيين قد يرسّخ انطباعًا بأن الطموحات السياسية القصيرة المدى، لا مصلحة البلاد على المدى الطويل، هي التي توجه السياسة النقدية.
وبحلول تسعينيات القرن الماضي، أصبحت استقلالية المصارف المركزية معيارًا عالميًا إلى حد كبير.
ويتمثل دور بنك إنجلترا في تعزيز الاستقرار النقدي والمالي، فيما تحدد الحكومة معدل التضخم المستهدف، والبالغ حاليًا 2 في المئة، في حين يستخدم البنك أسعار الفائدة لمحاولة تحقيق هذا الهدف.
ومنذ عام 2009، أصبح البنك مسؤولًا أيضًا عن سياسة التيسير الكمي وتشديدها.
وكانت الحجة المؤيدة لاستقلالية البنك تقوم على الحد من التأثير السياسي على السياسة النقدية، وترك مهمة مكافحة التضخم للخبراء، وهو نهج لا يزال جزءًا أساسيًا من النظرة الاقتصادية التقليدية.
هل نجحت استقلالية بنك إنجلترا؟
تشير الأرقام إلى أن التضخم في بريطانيا ظل منخفضًا خلال السنوات الأولى من استقلالية البنك، إذ بلغ متوسطه 2.5 في المئة، مقارنة بـ7.3 في المئة بين عامي 1967 و1997.
لكن التضخم كان منخفضًا بالقدر نفسه تقريبًا في فرنسا وألمانيا وهولندا، ما يجعل من الصعب تحديد حجم الدور الذي أداه بنك إنجلترا مقارنة بالعوامل الاقتصادية العالمية.
وخلال أزمة التضخم التي بدأت في أوائل عام 2022، سجلت بريطانيا أعلى معدل تضخم بين دول مجموعة السبع، كما ظل التضخم أعلى من المستوى المستهدف خلال معظم السنوات الخمس الأخيرة.
ولا يرى الجميع أن النظام الحالي حقق النتائج المرجوة.
ففي عام 2023، أصدر مجلس اللوردات تقريرًا أوصى بإجراء إصلاحات، من بينها تقييد بعض صلاحيات البنك وتعزيز الرقابة عليه.
كما يدعو عدد متزايد من الاقتصاديين اليساريين الحكومة إلى الذهاب أبعد من ذلك، عبر تقليص استقلالية البنك وإعادة صياغة مهمته، وهي أفكار من المتوقع أن تُطرح أمام لجنة الخزانة خلال الأشهر المقبلة.
ما الذي يقوله دعاة تقليص استقلالية البنك؟
يرى كوستاس لابافيتساس، أستاذ الاقتصاد في كلية الدراسات الشرقية والإفريقية (SOAS) والنائب السابق عن حزب سيريزا اليوناني، أن بنك إنجلترا يخدم مصالح القطاع المالي في لندن.
ويشير إلى أنه بين عامي 2009 و2021 أبقى البنك أسعار الفائدة عند مستويات منخفضة، وأنشأ كميات ضخمة من الأموال لشراء سندات بقيمة 895 مليار باوند، معظمها ديون حكومية.
وبحسَب لابافيتساس، ساهمت هذه السياسة في دعم النظام المالي عبر رفع أسعار المنازل والأسهم، أما الاستثمار المنتج فقد ظل راكدًا.
ويضيف أن التضخم وصل إلى 11.1 في المئة عام 2022، مدفوعًا أساسًا بارتفاع أسعار الطاقة واضطرابات سلاسل التوريد، وهي عوامل يرى أنها لا تتأثر كثيرًا بأسعار الفائدة.
ومع ذلك، رفع بنك إنجلترا أسعار الفائدة 14 مرة، وهو ما يقول لابافيتساس إنه أثقل كواهل الأسر والشركات.
كما تكبد البنك خسائر كبيرة مع تدفق مليارات الباوند إلى المصارف، في حين تحملت الخزانة خلال الفترة 2024-2025 فاتورة تجاوزت 36 مليار باوند.
ويرى لابافيتساس أن آندي بيرنهام يريد إنهاء «40 عامًا من الإخفاق» عبر إعادة بناء القدرة الصناعية في بريطانيا، داعيًا إلى إلغاء استقلالية البنك وتوظيفه ضمن خطة استثمار ممولة تشمل إنشاء مصرف عام للاستثمار يوفر تمويلًا طويل الأجل للقطاع الصناعي.
هل كان انخفاض التضخم مرتبطًا بعوامل خارجية؟
صورة تعبيرية (AI)
يرى جيمس ميدواي، مدير مركز «فيردانت» البحثي والمستشار الاقتصادي السابق لوزير الخزانة في حكومة الظل جون ماكدونيل، أن انخفاض التضخم بعد عام 1997 يعود بدرجة كبيرة إلى التوسع الصناعي الهائل في الصين، الذي ساهم في إبقاء أسعار السلع منخفضة، أكثر من ارتباطه بسياسات المصرفيين المركزيين.
ويستشهد ميدواي بتصريحات سواتي دينغرا، إحدى واضعات أسعار الفائدة في بنك إنجلترا، التي قالت: إن الصدمات الناتجة عن تغير المناخ أو الاضطرابات الجيوسياسية تقع «خارج نطاق السلطات النقدية».
ويدعو ميدواي إلى اعتماد استجابات اقتصادية أكثر تنسيقًا بدلًا من الاعتماد على استقلالية البنك وحدها.
ويقترح أن تعدّل المصارف المركزية طريقة تعاملها مع أسعار الفائدة بحسَب مصادر التضخم، إلى جانب تقديم الحكومات دعمًا للأسر والشركات، ويشمل ذلك استخدام ضوابط استراتيجية على الأسعار.
كما يدعو الدول إلى الاستثمار في سلاسل التوريد والإنتاج المحلي، ويشمل ذلك قطاع الغذاء.
ويلفت ميدواي إلى أن أسعار الغذاء العالمية وصلت إلى أعلى مستوى لها في أربع سنوات، وفق أرقام الأمم المتحدة، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط، محذرًا من أن بنك إنجلترا يُتوقع أن يرفع أسعار الفائدة مجددًا في تشرين الثاني/نوفمبر.
ما البديل الذي تقترحه آن بيتيفور؟
صورة تعبيرية (AI)
ترى الاقتصادية آن بيتيفور أن بنك إنجلترا مؤسسة مملوكة للدولة، وأن موظفيه على كشوف رواتب الحكومة، فيما يختار رئيس الوزراء محافظ البنك.
وتشير إلى أن المحافظ أندرو بيلي أقر بأن البنك لا يستطيع معالجة التضخم عندما يكون سببه عوامل خارجية، لكنها تقول: إن البنك مع ذلك يعتزم رفع أسعار الفائدة أكثر، ما يجعل الاستثمار الخاص والعام أكثر كلفة ويعرقل التعافي الاقتصادي. وتصف بيتيفور العلاقة بين المؤسسات المالية والنقدية في بريطانيا بأنها «في حالة حرب فيما بينها».
وتستند بيتيفور إلى توقعات صندوق النقد الدولي بأن بريطانيا تتجه نحو أسوأ عقد اقتصادي منذ عشرينيات القرن الماضي، معتبرة أن القطاع الخاص أصبح أكثر تحفظًا من الاستثمار في اقتصاد يعاني من الضعف، في حين أن الحكومة مقيدة عمليًا بتحمل مسؤولية التعافي بسبب «القواعد المالية» و«استقلالية» البنك وهدف التضخم البالغ 2 في المئة.
وتقترح التخلي عن هدف التضخم الحالي لمصلحة إعطاء الأولوية للتوظيف الكامل واعتبارات المناخ، إلى جانب إنشاء «مكتب لضبط التضخم» يستخدم أدوات مشابهة لتلك المعتمدة في فرنسا، من بينها فرض حماية جمركية وضرائب على أرباح شركات الطاقة الكبرى لدعم أكثر الفئات تضررًا.
كما تدعو بيتيفور بنك إنجلترا إلى خفض أسعار الفائدة باعتبارها عاملًا أساسيًا في دعم الاستثمار الخاص والعام.
وتقترح كذلك اعتماد عمليات إعادة تمويل طويلة الأجل ومحددة الأهداف (TLTROs)، تتيح للمصارف التجارية تقديم قروض للمواطنين بأسعار فائدة منخفضة ومستقرة، مع وضع آليات تضمن توجيه الإقراض إلى النشاط الإنتاجي بدلًا من المضاربة.
وتستحضر بيتيفور عام 1945، عندما تجاوز الدين العام البريطاني 200 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مشيرةً إلى أن التنسيق بين السياسة النقدية والمالية أتاح للحكومة آنذاك تحمل مسؤولية مواجهة العقبات الاقتصادية.