العرب في بريطانيا | ليست كلُّ الهزائم انكساراً... ففي شرفِ المحاولة...

ليست كلُّ الهزائم انكساراً… ففي شرفِ المحاولة انتصار

WhatsApp Image 2026-07-08 at 9.59.32 AM
أميرة عليان تبلو يوليو 8, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

قبل أن تُكتب النّتائج في سجلّات البطولات، تُكتب المواقف في سجلّات التّاريخ. وقبل أن تُعلَّق الميداليات على الأعناق، تُعلَّق قيم الشّجاعة والإصرار في قلوب الجماهير. فليست الرّياضة حكاية أرقام فحسب، ولا هي لعبة يُقاس مجدها بعدد الأهداف، وإنّما هي امتحانٌ للروح قبل الجسد، وللعزيمة قبل المهارة.

وحين وقفت مصر أمام الأرجنتين، لم تكن تقف في مواجهة منتخبٍ عادي، كانت أمام مدرسةٍ كروية صنعت أمجادها عبر عقود، وأمام فريقٍ يعرف كيف يكتب اسمه على منصّات التّتويج. فمن يعرف الأرجنتين، يعرف أنّه يواجه تاريخاً طويلاً من البطولات، ويعرف أن هذا المنتخب لم يصل إلى القمة صدفة، بل حمل كأس العالم الأخير بعد رحلةٍ من العمل والكفاح والإبداع.

ولهذا، فإنّ النّظر إلى النتيجة وحدها ظلمٌ للحقيقة.

هناك مبارياتٌ تُقاس بالنقاط، وأخرى تُقاس بالشجاعة. وهناك منتخباتٌ تنتصر في لوحة النتائج، لكنها لا تنتصر في قلوب الناس، بينما تخرج فرقٌ أخرى مرفوعة الرأس، لأنها قدّمت كل ما تملك، ولم تدّخر جهداً، ولم تستسلم قبل صافرة النهاية.

وشرف المحاولة ليس عبارةً تُقال لتخفيف مرارة الخسارة، هو قيمةٌ إنسانيةٌ عظيمةٌ لا يدركها إلا من خاض الميدان. فليس كل من حاول بلغ، ولكن كل من بلغ كان قد حاول.

كم من بطلٍ عظيم بدأ مسيرته بهزائم متتالية، وكم من فريقٍ أصبح اليوم أسطورةً بعدما ذاق مرارة السقوط مراراً. فالنجاح لا يولد مكتملاً، وإنما ينمو على أرضٍ سُقيت بالتعب والدموع والانكسارات.

ومن الظّلم أن نطالب لاعباً بمواجهة أحد أقوى منتخبات العالم، ثمّ نختزل جهده كله في نتيجةٍ على لوحة إلكترونية. فالكرة لا تعترف دائماً بالأمنيات، لكنها تعترف بمن يقاتل حتى اللحظة الأخيرة.

لقد واجه المنتخب المصري خصماً يعرف الجميع ثقله، خصماً يحمل إرثاً كرويّاً يهابه الكبار قبل الصغار. ومع ذلك، لم يدخل لاعبوه المباراة رافعين الراية البيضاء، دخلوا بعزيمة الباحث عن فرصة، وإيمان المؤمن بأن المستحيل قد يصبح ممكناً.

وربما لم يحققوا ما تمنوه، لكنهم حاولوا.

والمحاولة، في عالم الشرف، ليست أمراً قليلاً.

لقد اعتدنا، نحن الجماهير، أن نحاكم الرياضيين بعد انتهاء المباراة، بينما ننسى آلاف الساعات التي قضوها في التدريبات، وآلام الإصابات، وضغوط المنافسات، والخوف الذي يسبق كل مواجهة كبيرة. نرى التسعين دقيقة، ولا نرى السنوات التي سبقتها.

ولذلك، فإن الإنصاف يقتضي أن نصفق للمجتهد، حتى وإن لم ينتصر.

فالخسارة أمام منتخبٍ بحجم الأرجنتين قد تكون درساً، وربما تكون بداية طريقٍ جديد. فمن يواجه الأقوياء يكتسب من قوتهم، ومن يصارع الكبار يتعلم كيف يصبح كبيراً.

إن الرياضة، في معناها وعمقها، لا تُعلّمنا كيف نفوز فقط، فهي تُعلّمنا كيف نخسر بكرامة، وكيف ننهض بعد كل تعثر، وكيف نؤمن بأن الطريق إلى المجد لا يُفرش بالورود، بل يُفرش بالعقبات.

ولعل أجمل ما في المحاولة أنها تكشف معادن الرجال. ففي لحظات الانتصار يصفق الجميع، أما في لحظات الخسارة فلا يبقى إلا الصادقون.

وأنا، مهما كانت النتيجة، ستظل هذه المحاولة تعني لي الكثير.

لأنني رأيت فيها روحاً لم تستسلم، ورأيت فيها منتخباً واجه واحداً من أعظم منتخبات العالم دون خوف، ورأيت فيها رسالةً تقول إن الطموح لا يُقاس بالفارق في الإمكانات، يُقاس بالإيمان بالقدرة على المنافسة.

قد تُنسى النتائج بعد أشهر، وقد تتغيّر سجلّات البطولات مع مرور السنين، لكن المواقف الصادقة تبقى حيّة في الذاكرة. يبقى ذلك الإصرار، وتبقى تلك الرغبة في القتال حتى النهاية، ويبقى شرف المحاولة وساماً لا تنتزعه أي خسارة.

فليس كل سقوطٍ نهاية، وليس كل خسارةٍ هزيمة.

هناك هزائم تُنبت مستقبلاً، وهناك انتصاراتٌ زائفة لا تصنع تاريخاً.

أما الذين يحاولون رغم صعوبة الطريق، ويقفون في وجه العمالقة بإيمانٍ وشجاعة، فهم، وإن غادروا الملعب دون كأس، يغادرونه حاملين ما هو أثمن من الذهب… احترام أنفسهم، واحترام كل من يعرف أن المجد الحقيقي يبدأ من جرأة المحاولة.

ولهذا أقول بكل قناعة: يكفيهم شرف المحاولة؛ فالمباراة تنتهي بصافرة الحكم، أما الكرامة، والإصرار، وروح القتال، فتبقى خالدة في ذاكرة كل من يؤمن أن أعظم الانتصارات هي تلك التي تُولد من قلب المحنة، وأن الطريق إلى القمة يبدأ دائماً بخطوةٍ اسمها المحاولة.


 

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 26 يوليو 2026
من تصاعد الخطاب العنصري في برمنغهام إلى أزمة إغلاق الأنهار.. لخصنا لك أبرز ما شغل الشارع البريطاني خلال الـ 24 ساعة الماضية👇🏼 للمزيد من التفاصيل: https://alarabinuk.com/?p=237812 #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 26 يوليو 2026
أثارت وزارة الداخلية البريطانية استياء عائلة فلسطينية بعد رفضها منح أم فلسطينية من القدس تأشيرة زيارة لابنها المقيم في لندن، في حين وافقت على منح زوجها التأشيرة رغم تقدمهما بالطلب نفسه، وبالمستندات ذاتها، وللغرض نفسه. وكان كريم عبد الله، الذي…
𝕏 @alarabinuk · 26 يوليو 2026
R to @AlARABINUK: للمزيد من التفاصيل: https://alarabinuk.com/?p=237705
𝕏 @alarabinuk · 26 يوليو 2026
ليلة قسنطينية ساحرة في قلب العاصمة البريطانية.. 🇩🇿 أجواء أندلسية وألحان المالوف القسنطيني أحيتها الفنانة دنيا الجزائرية في احتفالية مميزة بتنظيم مؤسسة "صوت المرأة الجزائرية في المملكة المتحدة"، وبحضور لافت للجزائريين في لندن. #شاهد أبرز محطات هذه الأمسية ⬇️ #العرب_في_بريطانيا…
عرض المزيد على X ←