كيف يستفيد المسلم اليوم من نظرية “كايزن” اليابانية؟
قامت اليابان بعد ما أصابها جراء وحشية “العم سام” في كارثة هيروشيما الشهيرة، على لملمة جِراحها ومحاولة النهوض مرة أُخرى، لكن هذه المرة بالإنكفاء على الذات ومحاولة تحسين جودة الإنسان الياباني، وليس بالسيطرة وبسط النفوذ في دول الجوار كما كان في السابق.
أحد هذه الفلسفات التي تُعتبر ركيزة من ركائز المجتمع هناك، هي نظرية ” كايزن ” وتعني التحسين المستمر، الذي يغطي كافة مجالات الحياة في المدارس والمصانع والمنازل . فالاستمرارية في التحسين عبارة جامعة، بحيث يندرج تحتها الحفاظ على الديمومة، وتقليل الجهد، وإزالة الهدر الزائد عن الحاجة.
قلتُ: وما تعجّب المتعجبون وانبهر المنبهرون من البرنامج ذائع الصيت ( خواطر ) للإعلامي أحمد الشقيري، إلاّ لأن الإنسان هناك أعاد للأشياء مسمياتها؛ فالقوة الحقيقية هي النابعة من الداخل كالإنضباط والالتزام -حتى للأشياء التافهة والصغيرة- لا من الخارج ، بل إنهم تفوقوا وتقدموا على الإنسان الغربي، لأن الأخير اكتفى بما ورثه من أجداده فغدى مهدداً بالتراجع.
وحتى لا يصبح الكلام مجرّد حديث بلا ثمرةٍ، ومن غير فائدة تذكر، فالسؤال الذي يجب تسليط الضوء عليه هو: كيف لنا كمسلمين الإستفادة من النظرية؟
ولأن الأوائل قالوا: خذ الحق لا يُضرك من أي وعاء خرج، ومن قبلها الحكمة ضالة المؤمن.
قلت -وبالله التوفيق-: التحسين يجب أن يطال جميع جوانب حياة المسلم، الدينية، والعلمية، والعملية، والمالية، والصحية كذلك .
فالمسلم مأمور بتحسين نفسه والإكثار من التبتل والتضرع إلى بارئه؛ لأن هذا هو ما خُلق لأجله. ثم يسعى في تأصيل ذاته علمياً وانتشالها من غياهب الجهل، حتى لا يصبح فريسة سهلة لكل ناعق، ولقمة سائغة لكل مُحرّض.
وبينما هو كذلك، لا يغيب عنه أثر العلاقات على الروح، فلا يهضم أهله المقربين، ويسعى في حاجة أصفيائه الحميمين.
ثم تجده حريصاً فطناً على الكسب الحلال، كثير التزود منه، لعلمه أن المال قوة وله سلطان، فصاحبه يُسمع لسكوته فضلاً عن كلامه.
وآخرها، حرّيٌ بالمؤمن الكيّس أن يُحافظ على جسده الذي هو مؤتمن عليه، فتجده موفور النشاط، حاضر العزم، ليس بالخامل ولا الكسلان.
من سعى في قراءة سير الرعيل الأول، أبصر جليّاً أنهم ضربوا بسهم في كل جوانب الحياة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.
ففي العبادة أبو هريرة -أكثرهم روايةً لما نطقت به شفتا المصطفى- ، لما سُئل عن ورده من التسبيح، أجاب : خمسة عشر ألفاً ، إلاّ أن تُخطئ الأصابع . وفي العلم ذكر ابن مسعود يوماً : ليس هنالك آية في كتاب الله، إلاّ وأنا أعلم لمَ أُنزلت. وفي المال فابن النورين مثال لمن كانت الدنيا في يده وليس في قلبه، لكثره إنفاقه في سبيل الله. أما في قوة الجسد وشدة البطش، فمنذ سطع نور الإسلام وضرب أوتاده في طرقات المدينة خاض أصحاب محمد معارك ضارية كان لها الفضل -بعد الله- في تثبيت عُرى الدين ونشره في العالم أجمع .
قلت : بعد هذا التطواف البسيط، كان أجدى بالمسلم اليوم أن يبدأ بالتخلّق بمن سبقوه، لكن بالتريّث وإصطحاب “كايزن” معه. فإذا وضع عِلم حبر الأمة ابن العباس نُصب عينيه، صاغ لنفسه برنامجاً تطويرياً، كأن يقرأ يومياً صفحة واحدة من كتاب تفسير للقران وليكن ( التحرير والتنوير ) مثلاً، فإذا وجد في روحه نشاطاً وإقبالاً وقد إكتسب العادة ثنّى على الصفحة بأختها، ثم مع الأيام زاد عليهما بأخرى وهكذا في تحسين مستمر ثابت لا يتراجع..
وينطب الأمر ذاته على العلم، والعلاقات، والكسب الحلال، والنشاط والصحة.
ما دمت لا تتوقف ، فلا يهم إن كنت بطيئاً في سعيك.
الفيلسوف كونفوشيوس
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇
الله يعطيك العافيه و يجعله في ميزان حسناتك